عالم البؤساء
كتبها * ابن بطوطة * ، في 4 مارس 2007 الساعة: 10:45 ص

متسول يعزف موسيقى في محطة قطارات بلندن
وأنت القادم من بلد يعيش بألف خير، مقارنة بدول وشعوب كثيرة على وجه الأرض، تتذكر ما أنت فيه من نعم حين ترى مظاهر البؤس والتعاسة في حياة آخرين عندما يسوقك قدرك إلى مجتمعات أخرى، قريبة أو بعيدة.
الفقر ليس له جنسية ولا عنوان، وهذه جولة بين بعض مظاهر البؤس التي لاحظتها في تنقلاتي هنا وهناك. لم يكن ببالي رصد حالة الفقر في هذا البلد أو ذاك حين زرت تلك الدول، ولكن حين فكرت في هذا الموضوع تداعت إلى ذاكرتي هذه المشاهد. سأبدأ ببعض أغنى الدول، من باب المفارقة وللدلالة على أن الفقر ليس حكرا على الجنوبيين والأفارقة والآسيويين، وإن كان البؤس عندهم أشد كما نعلم جميعا.
في لندن، أحد معاقل الرأسمالية وإحدى أغنى عواصم العالم، وجدت فقيرا (أبيض اللون) يلتصق جسده بفتحة خروج الهواء الساخن بجانب إحدى البنايات في حي ميفير، أرقى أحياء لندن على الإطلاق، وهو مكوم على الأرض لا تدري أهو حي أم ميت، بينما العشرات يمرون من حوله، كلٌ في فلك يسبحون، دون أن يلفت أحد لهذا التعيس الذي حرم الدفء والتدفئة في مدينة تقترب فيها درجة الحرارة من الصفر شتاء.
مشهد آخر في حديقة غنّاء في عاصمة ألمانيا السابقة، بون، في صيف أوربا الممتع، حيث الشمس المشرقة الدافئة والجو المعتدل والناس سعداء بعيدا عن كآبة الشتاء. في هذه الحديقة الواسعة ذات الأشجار الضخمة والورود والزهور النابضة بروعة الحياة والاخضرار الممتد على امتداد البصر، لا يعكر صفو هذا الجمال سوى زوجان من الألمان، ثياب رثة، شعور شعثاء، وجوه كالحة، يستمتعان كغيرهما بحلاوة الطقس وهناءة المحيط وقد افترشا بساطا مهترئا، وتلازمهما كل يوم في هذه الحديقة عربة يدوية من النوع المستخدم في محلات السوبرماركت، وقد امتلأت بقوارير فارغة وأخرى مملوءة من البيرة التي لا غنى للألمان عنها. قيل لي إنهما عاطلان عن العمل يعيشان على الضمان الاجتماعي ككثيرين غيرهما، وينفقان من مخصصات الضمان على احتساء البيرة، ولا همّ لهما في الحياة سوى احتساء البيرة. يا للبؤس!
وقبل أن نترك غرب العالم، يلاحظ من سافر إلى أوربا وأمريكا أن التسول عندهم يكون بأسلوب حضاري، أو لنقل بأسلوب لا يجرح مشاعر المتسول، كما أنه لا يفرض نفسه فرضا على الآخرين. ففي الأماكن العامة، وخاصة بعض الشوارع ومحطات القطار والمترو وما شابهها تجد شخصا أو فرقة صغيرة تعزف قطعة موسيقية أو تؤدي ألعابا بلهوانية أو مهارة معينة وأمامها قبعة مقلوبة أو علبة مفتوحة لوضع النقود، دون أن يمد المتسول يده للسؤال ولا يحس المحسن أنه مجبر على بذل الإحسان. وقد يستحسن بعض المارة الأداء أو يستوقفهم ذلك فيتوقفون لحظة للاستماع والمتابعة والتشجيع، وربما من غير دفع صدقة، دون أن يتذمر المتسول أو يعترض. وللناس في ما يتسولون مذاهب!
في أكبر ميادين إسطنبول، ميدان تقسيم، حيث يعج دائما بالحركة ونبض الحياة، وأمام مطعم يرتاده الناس بكثرة كان هناك فقير يلصق خده بالواجهة الزجاجية الكبيرة للمطعم، يراقب رواد المطعم وهم يهنؤون ليس بطيب الطعام فقط، بل حتى بدفء المكان بينما البرد قارس في الخارج، وتتجول عيناه الجائعتان من خلال الزجاج في أرجاء المطعم ويرى أطباقا وأواني مملوءة بما لذ وطاب تتنقل برشاقة بين أيدي الجرسونات والطاولات، هذا غير ما اصطف على أرفف الجدران من أصناف أخرى ذات أشكال وألوان ومذاقات لا يعرفها هو وأمثاله. بين الفقر والغنى والجوع والشبع والبرد والدفء هذا الحاجز الزجاجي الشفاف، لكنه حاجز يباعد ويباعد كبعد المشرقين!
وعلى الجانب الآخر من العالم، في جاكرتا عاصمة أندونيسيا هذا البلد العملاق الهزيل، تأسى حين تمر في أكبر شوارع المدينة فتجد البؤساء، رجالا ونساء، كبارا وصغارا، يفترشون قارعة الطريق وقد وضع كل واحد أمامه أشياء متواضعة جدا تبدو لنا تافهة: قطع من الطماطم أو الخيار تعدّ على أصابع اليد الواحدة، أو معلبات قليلة لما يبدو أنها أطعمة معلبة، ولكنها ما يستحصلون منه على قوت يومهم، هذا إذا باعوا منه شيئا.
وعلى ضفاف أحد الأنهار القليلة الماء، في إحدى عواصم المغرب العربي، يقف شيخ رث الثياب، على مشهد من أحد الفنادق الفخمة المطلة على النهر، يدير ظهره للغادي والرائح.. ليتبوّل!
وقريبا من هذا "الجو"، تخرج مساءً من أفخم فنادق أديس أبابا، عاصمة أثيوبيا، بل أحد أفخم فنادق أفريقيا قاطبة، ولا تكاد تخطو ثلاث خطوات خارج بوابة الفندق الخارجية حتى تكتم أنفاسك من شدة رائحة البول المنتشرة في الأرجاء، حيث يتساهل المارة في قضاء الحاجة أمام الفندق وحوله، وفي كل مكان تقريبا. بينما لو عدت أدراجك إلى الفندق نفسه ستدخل عالما آخر منفصلا تماما عن محيطه الخارجي، إذ قلما تجد لهذا الفندق نظيرا في فخامته وشدة نظافته!
وتحزن فعلا حين تجد مظاهر بؤس بعض المسلمين في مجتمعات غير إسلامية، وأكثر ما يتبدى هذا أمام المساجد والجوامع، وخاصة بُعيد صلاة الجمعة، فتأسف لحال عجائز وشيوخ مساكين أو أطفال ضعاف الحال يمدون أيديهم للسؤال. ولا داعي للمقارنة، فالحال يكاد يكون مماثلا في مجتمعات المسلمين في بلاد الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هل أزعجتكم بهذه المشاهد؟ معذرة، ولكنها جانب من الحياة، وملمح من ملامح المجتمعات الغنية والفقيرة على السواء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رحلات, مدن, مشاهدات | السمات:مدن, مشاهدات, رحلات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مارس 5th, 2007 at 5 مارس 2007 9:11 م
السلام عليكم
و كما قلت انت الفقر ليس له جنسية و لا عنوان لا توجد دولة فى العالم لا يوجد بها فقراء حتى اغنى دولة يوجد بها فقراء و عن طريقة التسول فى امريكا و اوروبا فأنا لا اراها تسول فالافراد هناك يعزفون قطع موسيقية و يترك لك حرية مكافأتهم لعزفهم او تركهم بلامشاكل فى حين فى الدول العربية فهو التسول بعينه فربما تجد شابا ضخما لديه صحة و يقف امامك و بكل بجاحة يطلب منك احسان بطريقة تشعرك انك تدين له بمبلغ من المال اقول لك فى مرة من المرات كنت امشى فى الشارع استوقفنى احد المتسولات و طلبت منى اى مبلغ فقلت لها ربنا يسهلك و تركتها فعادت ورائى و استوقفتنى مرة اخرى و اخذت تتكلم عن مدى حاجتها للمال و كم هى مريضة و اخذت تدعو لى فاضطررت لاعطاءها جنيه اخذت تنظر للنقود بإستغراب و دهشة و قالت لى ما هذا؟؟؟؟؟ رددت جنيه نظرت لى بإستنكار و قالت: اعمل بيه ايه؟؟ طبعا لم انتظر ان تكمل قولت لها هات الجنيه و هديلك اكتر بعد ان اخدت الجنيه قولت له خلاص يا حاجة ربنا يسهلك و يرزقك بواحد يديلك 100 دولار او يورو ده غير اللى بيحصل فى المناطق الاثرية و الحسين و المناطق الاخرى حيث تجد الشحاذين اكثر من السياح اما اكثر ما يؤذى حقيقة هم المسلمين الذين تجدهم فى المجتمعات الغربية و يتسولون امام المساجد و الحدائق العامة مما يشوه من صورة المسلمين فى الخارج و اخيرا بيتهيألى ان الفقر و الغنى رفيقان متلازمان فى اى مجتمع فلا يمكن وجود مجتمع غنى فقط و لا يوجد مجتمع فقير فقط .
عن نفسى لم انزعج من هذه المشاهد ربما لأنى شاهدت ما هو اسوأ منها و لم اذهب بعيداً لأرى هذه المشاهد بل كانت فى بلدى
و السلام ختام
مارس 5th, 2007 at 5 مارس 2007 10:58 م
السلام عليكم سيدي ابن بطوطة ..
أعجبني أسلوب صاحب المزمار في التسول ، و ربما لو وجدتْ حكوماتنا ما تشغل به المتسولين لكان خيرا كبيرا …
هذه المشاهد من الممكن مشاهدتها في كل حي من أحياء دمشق ربما بطريقة من الطرق …
و اللفته جميلة في أن البؤساء لا جنسية لهم … نحمد الله على نعماءه و ستره ,,,
أحسن الله إليك ستاذنا …
مارس 6th, 2007 at 6 مارس 2007 5:16 ص
أهلا بالفارس! وحياك الله مرة أخرى. أسعدتني بتعقيبك الجميل كما عودت القراء الكرام.
وعلى ذكر التسول في بلدك، أذكر هذا الموقف الطريف: كنت أمشي عصرا في أحد الشوارع الرئيسية، فلحقت بي فتاة صغيرة تطلب الإحسان وهي تكلمني بالعربية طبعا، وكنت أتجاهلها دون كلام، فلما ألحت البنت علي ونحن ماشين، قالت لها سيدة مرت بجانبنا ولاحظت الموقف: سيبيه دا ياباني ما بيفهمش عربي! طبعا هذا الكلام سببه أن ملامحي آسيوية وهيئتي لا تدل على أني عربي.
والحق يقال أن عندكم، في المقابل، ناس يحفظون كرامتهم بأصالة، فعندما لاحظت أن عامل الحقائب في مطار القاهرة لم يطلب مني إكرامية بادرت إلى إعطائه شيئا من المال ولكنه رفض بعزة وكرامة وأدب. وهذا جانب آخر من الصورة التي ليست سلبية دائما.
دمت بخير
ابن بطوطة
مارس 6th, 2007 at 6 مارس 2007 5:45 ص
مرحبا بالصديق أحمد! متابعتك لمدونتي محل اعتزازي.
طبعا أنت أدرى بالحال في بلدك، ولكن من ملاحظاتي كزائر أن التسول ظاهرة محدودة عندكم مقارنة بدول عربية أخرى تبدو فيها الظاهرة جلية بشكل مؤسف ومحزن. وحتى بلدان الخليج ومنها السعودية لم تسلم من هذا وإن كان الحال فيها أفضل من دول أخرى ليست بالقليلة. نسأل الله أن يصلح الأحوال ويستر على الجميع.
أجمل التحايا
ابن بطوطة
مارس 10th, 2007 at 10 مارس 2007 11:17 ص
موضوع جميل وبا الفعل جانب من جوانب الحياة وب الأخص الأسلامية ولو كل مسلم غني ومقتدر بيطلع زكاة ماله لكن يمكن حال الأسلام غير شكل وأفضل بكثير بس شو بدنا نقول غير لاحول ولا قوة الا باالله ….
مارس 11th, 2007 at 11 مارس 2007 5:35 م
أهلا بالصديقة سلمى.
فعلا، كما ذكرت، لو أدى كل مسلم فريضة الزكاة لكانت أحوال المسلمين أفضل بكثير.
شكرا على تواصلك.
مارس 12th, 2007 at 12 مارس 2007 11:09 ص
مقال بديع أتمنى أن تستمر بنفس الرونق و ذات البريق .و أدعوك لمدونتى للمعرفة رأيك أذا كانت المؤامرة كيان مزعوم أم حقيقة مؤكدة على مدونتك afkardedelrosas.maktoobblog.com
مارس 12th, 2007 at 12 مارس 2007 12:33 م
أهلا بقارئي العزيز أحمد (مصر)
هل قرأت موضوعي الآخر “إسكندرية.. ليه؟”، فقد أشرت فيه إلى رواية “لا أحد ينام في الإسكندرية” وأعتقد أنها تتناول مسألة المؤامرة بشكل أو بآخر. لست متأكدا لأنني لم أنته بعد من قراءتها.
سرني مرورك وتعليقك. أعدك برد الزيارة والاطلاع على أفكارك التي ضد الرصاص!
ابن بطوطة
نوفمبر 29th, 2007 at 29 نوفمبر 2007 11:16 م
استوقفتني هذه الورقة المرة السابقة، لكني لم أجد ما أعلق به عليها!
قرأتها الآن، واستوقفتني مجدداً وكأنني أقرؤها للمرة الأولى!
كان عرضاً مشوقاً لأحداث غير مشوقة!
يكفي الكم من المقارنات الذي جعل وجهي ينتقل من أقصى اليمين لأقصى الشمال وهو يتأمل أحوال متباينة أشد التباين!
” لو كان الفقر رجلاً لقتلته” رضي الله عنك يا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب..
ديسمبر 1st, 2007 at 1 ديسمبر 2007 11:27 ص
:: قلم طموح ::
مفاجأة لي أن تعودي لقراءة أوراقي القديمة، وأعرف أنك مررت بها من قبل.
وتعليقك طمأنني إلى أن قديمي لم يتأثر بالوقت، فمعظم أوراقي المسافرة أتجنب أن تكون يوميات وقتية، ولا أربطها قدر الإمكان بأحداث آنية لتكون مقروءة في كل وقت.
وشكرا على تواصل اهتمامك.
ابن بطوطة