رحلة إلى جزيرة
كتبها * ابن بطوطة * ، في 31 مارس 2007 الساعة: 21:45 م

هونج كونج ليلا
تحدثت عن روتردام في الموضوع السابق. والآن أكمل بالقصة الأخرى.
وعلى الجانب الآخر من الكرة الأرضية، وقريبا من ميناء هونج كونج، وهي أحد أكبر موانئ آسيا، حدث لي موقف يستحق أن يروى ما دمنا نتناول وسائل السفر.
وصلت إلى هونج كونج ذات ليلة متأخرا عن الوقت المخطط له بيوم ونصف تقريبا، بعد أن تقطعت بي السبل في مطار دبي بسبب إضراب عمال المراقبة الجوية في الهند التي تمر في أجوائها الرحلات المسافرة بين منطقتي الخليج العربي والشرق الأقصى. ترتب على ذلك إلغاء حجزي الفندقي في هونج كونج، فما إن وصلت إلى المطار وقصدت مكتب حجز الفنادق حتى أخبرني الموظف بأن فنادق المدينة كلها غير متاحة، ولكن هناك غرفا شاغرة في فندق على جزيرة والوصول إليها يتطلب ركوب عبّارة. طبعا قصدت المبيت في هونج كونج للراحة لأكمل رحلتي في اليوم التالي إلى قوانزو (كانتون) بالصين. لم يكن أمامي خيار آخر، فأوصلني تاكسي المطار إلى مرفأ العبّارة. اشتريت التذكرة وأخذت أنتظر مع عدد قليل من الركاب حتى وصلت العبّارة، فركبتها مع الآخرين. والعبارة فسيحة تستوعب نحو أربعين شخصا، ولكنها غير مريحة، فمقاعدها خشبية، ويعلوها غطاء شراعي، وحين تتحرك العبّارة يلفك نسيم (أو هواء) البحر من كل مكان لأنها مفتوحة الجوانب. ابتعدت العبّارة عن المرفأ شيئا فشيئا، وأخذت أضواء المدينة تنسحب رويدا رويدا، وفي الاتجاه الآخر هناك نقط مضيئة بعيدة في الظلام لا بد أن إحداها وجهتي المقصودة. وبعد استمتاع لم يدم طويلا بمنظر هونج كونج الليلي بناطحات السحاب ولوحات النيون الملونة العملاقة، ساورني شيء من القلق مع إحكام الظلام قبضته حول العبّارة التي تشق طريقها وئيدا مع ضوء خفيف في المكان الذي يجلس فيه الركاب. بعد دقائق مرت كالساعات لاحت نقطة الضوء البعيدة أكثر فأكثر حتى اتضحت أضواء شاحبة في الجزيرة التي اقتربنا منها. وحلت بي الصدمة حين نزلت من العبّارة واتصلت برقم الفندق الذي أخذته من المطار فاتضح لي أنني نزلت في جزيرة أخرى بالخطأ! أدركت حينئذ أنني نطقت اسم الجزيرة خطأً حين اشتريت التذكرة، فصعدت العبّارة الخطأ. وما كان أوله خطأ فآخره خطأ! إنه مبدأ بسيط يعرفه حتى محدودو الثقافة والتعليم، ولكن حين يحلّ بك موقف كهذا لا تنفع المبادئ ولا الدروس. لكنها تنفع لاحقا وقت استخلاص الدروس والعبر.
اضطررت للانتظار نحو ساعة حتى عادت العبّارة، ومن حسن الحظ أن الوقت لم يتأخر كثيرا، وإلا كنت سأضطر للمبيت في هذه الجزيرة المجهولة (بالنسبة لي على الأقل) إذا مضى وقت الرحلات المكوكية التي تتوقف قبل منتصف الليل لتعود العبّارة للحركة في الصباح التالي.
عدت بالطبع للمرفأ لشراء تذكرة جديدة إلى الجزيرة التي يقع فيها الفندق، ثم انتظرت مرة أخرى ولكن لوقت أقل، ثم ركبت عبّارة أخرى في رحلة مماثلة عبر الظلام إلى جزيرة "الأحلام"، ويبدو أنها جزيرة أكبر من السابقة، حيث صعد إليها مسافرون أكثر، من بينهم شخص بريطاني جلس قريبا مني، وفهمت من خلال حديثه مع زميله أنه يعمل في مجال المسرح وهو عائد للجزيرة حيث يسكن بعد انقضاء يوم عمله في هونج كونج. أما سكنه في الجزيرة فسببه بالتأكيد لرخص التكلفة مقارنة بهونج كونج المعروفة بغلائها الفاحش.
لم تنته قصتي مع وسيلة النقل بوصولي إلى الجزيرة ونزولي من العبّارة. كانت معي حقيبة ملابس كبيرة حيث كنت في رحلة عمل لأسبوعين تستوجب مني حمل أغراض أكثر من المعتاد، فكيف لي أن أحملها إلى الفندق وأنا أجهل عنوانه؟ موظف الفندق أخبرني خلال مكالمة سابقة أن علي الاتصال به من هاتف عام فور وصولي للجزيرة حتى يرسل لي من يرافقني للفندق، وهذا ما كان. ولكن الطريف أن مندوب الفندق حضر ومعه عربة ذات عجلتين يدفعها للأمام، وضعت متاعي في العربة ومشيت خلفه لنحو عشر دقائق حتى وصلت – أخيرا – للفندق شبه الخالي.
لعلكم استنتجتم الآن أن الجزيرة حيث مبيتي هي من الصغر بحيث لا توجد فيها وسائل نقل سوى المشي على الأقدام وتلك العربات اليدوية ذات العجلتين لحمل الأمتعة. وهذه وسيلة نقل/ سفر جديدة لم أجربها من قبل!
في ضحى اليوم التالي اصطحبتني العربة إياها، مرة أخرى، في طريقي من الفندق إلى العبّارة. هذه المرة كان المشوار مختلفا، حيث مررت بسوق الجزيرة وكان نشطا على الرغم من قلة السكان، وأمكن لي رؤية ما لم أره في الليلة الفائتة لتأخر الوقت. وفي رحلة العودة البحرية كان المشهد والمزاج مختلفا عن الليلة السابقة، فمعالم هونج كونج وناطحاتها أمامي على البعد، وضوء النهار وزرقة البحر بددت وحشة التجربة الليلية المرهقة الفريدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رحلات, سفر, مشاهدات, هونج كونج | السمات:هونج كونج, مشاهدات, رحلات, سفر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أبريل 4th, 2007 at 4 أبريل 2007 2:15 م
جزيرة صغيرة ……… لا ادرى ان كان العالم هو نفسه جزيرة صغيرة ولكن
تصوراتنا لما فوق الانسانية تجعله اكبر مما يجب واضخم لحد وصفه بانه
قرية صغيرة .
اخى ابن بطوطة
حللت رحالى اليوم على اوراقك المسافرة ويبدو انها فى ترحال على الدوام
فقط اتمنى لك حياة ( مستقرة هانئة ) وترحال دائم مفيد
وسنرحل معك متى تطلبت الاوراق ذلك
تحياتى
أبريل 4th, 2007 at 4 أبريل 2007 6:56 م
أهلا بإيثار
انطباعك عن الجزيرة/ العالم/ القرية الصغيرة جميل.
تمنياتك لي محل اعتزازي وتقديري، وحياتي مستقرة وهانئة فعلا ولله الحمد.
والأوراق دائما في سفر - وليس الكاتب - فهي في ترحال أحيانا في عوالم الفكر وفضاءات المعرفة الرحبة. والسفر جزء من المعرفة.
دمت بخير.
ابن بطوطة
أبريل 7th, 2007 at 7 أبريل 2007 2:11 ص
السلام عليكم يا عمي ابن بطوطة ، كيف حالك ؟
أشهد الله أني مشتاق لك يا رجل !
امممم وصلت حتى إلى هونغ كونغ ؟
مجرد ذكر اسمها يجعلني أطير شوقا ، فمشهد الساحل من على زورق بنصف العمر كما يقال .. لا سيما في الليل ..
الحمد لله الذي سخر لفقراء تلك البلاد جزرا الحياة فيها أرأف …
أبريل 7th, 2007 at 7 أبريل 2007 10:16 ص
عدتَ والعَوْدُ أحمد يا أحمد!
لك “وحشة” وكلنا في الشوق شرق!
.. بل تجاوزتُ هونج كونج إلى أقصى الشرق الآسيوي، وستقرأ في مقبل الأيام شيئا عن اليابان، وأشياء وحكايات عن الصين. ألست ابن بطوطة؟!
ولكن قبل التحليق مع أشواقك إلى أجواء الشرق الأقصى، لي محطة قريبة في ديارك.. بلاد الشام وما أدراك ما بلاد الشام!
ابن بطوطة
أبريل 10th, 2007 at 10 أبريل 2007 11:00 م
الأخ الرحال ابن بطوطة .. هذه زيارتي الأولى لمدونتك والتي سعدت جداً بها ذلك لأن قراءتي الوليدة فيها لبلدٍ أتمنى أن أزوره (( الصين )) .. يستغرب البعض مني حين يسألني عن رحلة العمر التي أود القيام بها .. لأجيب بكل نشوة .. أتمنى الذهاب للصين ثم بعد ذلك لليابان لأحط رحالي في سريلانكا وأنتقل بعدها للهند ثم أندونسيا .. لايهم الترتيب المهم أنني أتمنى زيارة هذه البلدان كلها .. وخاصة الصين بناطحاتها ببيوتها بسكانها بل حتى في طعامها الذي لايشكل بالنسبة لي أدنى مشكلة فأنا من عشاقه .. أتذكر أنني شاهدت برنامجاً وثائقياً عن أغلى الفنادق في العالم فكان في هونج كونغ .. أطلت الحديث ربما لشغفي بها .. لكن أتمنى منك أن تقوم بإنزال بعض الصور بل الكثير من الصور عنها .. وعن اليابان التي ستكتب عنها قريباً .. وعن جميع الدول التي تحزم أمتعتك لتسافر لها ..
دمت مسافراً لنسافر معك ..
أبريل 11th, 2007 at 11 أبريل 2007 10:10 ص
أهلا نبض الحياة!
تسعدني زيارتك الأولى وآمل أن تتكرر. من بين الدول التي ذكرتها لم أزر سريلانكا والهند (حصلت على تأشيرة الهند العام الماضي ولكن لم أزرها). وما دمت من عشاق الشرق الأقصى فستجدين ضالتك هنا، وهذا الجزء من العالم لم أكتب عنه بعد، و”رحلة إلى جزيرة” مجرد طبق مشهيات صغير لكتابات قادمة عن الصين واليابان وأندونيسيا، وأضيف إليها دولا أخرى زرتها أيضا ولم تذكريها وهي تايوان وسنغافورة وماليزيا.
تلبية لطلبك، لدي صور جميلة عن الصين واليابان سأنشرها مع موضوعات هذين البلدين.
وما دمت من المتعلقين بالأكل الصيني والصين سأخصك بمعلومة جديدة. سبق لي زيارة أربع مدن/ مناطق في الصين (بكين وتنطق وتكتب الآن بيجين، وشيان، وشنزن، وقواندونغ وهي كانتون). والشهر المقبل سأزور إن شاء الله ثلاث مدن في الصين منها اثنتان جديدتان (بيجين، وشنغهاي، ونانكنغ وتنطق بالصينية نانجين).
أهلا بكم رفقاء سفر وسياحة فكرية.
ابن بطوطة
أبريل 12th, 2007 at 12 أبريل 2007 6:56 ص
لا تنسى أن تصطحب معك كاميرا سيدي ، فالسياحة بلا كمرة كالــ … أممممم كالــ … يعني كأي شيء ناقص
كنتُ ظننت أن مشاريعك السياحية توقفت .. و تفاجأت الآن .. ربي يقويك !
أبريل 12th, 2007 at 12 أبريل 2007 4:59 م
كالـ … ماذا؟ أكمل ولا تتردد!
الكاميرا لي في السفر كالقلم للكاتب، والمثل يقول: لا توصّي حريص. وشكرا على تذكيرك يا أحمد على كل حال.
وبالمناسبة، هذه ليست مشاريع سياحية، لأن 95% من رحلاتي هي لأغراض العمل، 4% لأغراض عائلية، 1% للسياحة البحتة.
وأهليييين.
أبريل 13th, 2007 at 13 أبريل 2007 9:59 ص
كنت سأذكرك بكاميرتك لكن سبقني أحمد .. صدقاً أتمنى أن تحمل كاميرتك لتلتقط كل شيء هناك حتى أدق التفاصيل .. إن شئت أيضاً أطباق غدائك وعشائك وإفطارك .. كل شيء .. البيوت والشوارع .. كل شيء .. دمت بود
أبريل 14th, 2007 at 14 أبريل 2007 1:27 ص
أهلا بنبض الحياة مرة أخرى!
يبدو أنك شغوفة بالأكل الصيني لحد غير متوقع. وإرضاء لـ”نهمك” سأنشر قريبا صورة لمائدة صينية شاركت فيها في أحد المطاعم الإسلامية في بيجين (بكين) شتاء العام الماضي.
أعدك وجميع متابعي هذه المدونة بالصور الجيدة، لأني لا أسافر بدون كاميرا.
وكل “كليك” وأنت بخير.
ابن بطوطة
مايو 23rd, 2007 at 23 مايو 2007 2:37 ص
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
اتمنى ان الرحله كانت مشوقه ورائعه ولكن اتمنى ان تفيدنا بمعلومات عن هونغ كونغ و عن تلك الجزير(ما اسمها) ونكون شاكرين لك وندعو الله ان يوفقنا جميعا ز
شكرا…
من عاشقة الصين
مايو 24th, 2007 at 24 مايو 2007 1:22 ص
يا أهلا بعاشقة الصين!
كم يسعدني الرد عليك وأنا الآن في بيجين (بكين)!
وأشكرك على إعادتي لهذا الموضوع مع أنه نشر منذ قرابة الشهرين. كنت مؤخرا في هونج كونج مرتين، قبل أسبوع وقبلها في مطلع مايو الجاري، وسأعود إليها في مطلع يونيو في نهاية جولتي الحالية في الصين.
سأكتب قريبا إن شاء الله عن هونج كونج مع صور من تصويري. وستكون هناك حلقات عنها وليست حلقة واحدة، وآمل أن تجدي في تلك الكتابات القادمة ما تتطلعين إليه من معلومات. أما اسم تلك الجزيرة فلا أتذكره الآن وأحتاج للعودة لأوراقي القديمة - بعد عودتي للوطن من رحلتي الحالية - ثم أخبرك بالاسم.
وإلى لقاءات قريبة مع الجميع، فشوقي للتواصل معكم لا يوصف. ومعذرة للانقطاع (القسري) عنكم لسفراتي الأخيرة المتتابعة إلى كازاخستان وقوانتشو (كانتون) وهونج كونج، وجولتي الحالية التي زرت فيها حتى الآن هونج كونج وبيجين، وتبقت المدن التالية: هانغتشو، شانغهاي، قوانتشو، هونج كونج.
تزاي جيان (إلى اللقاء بالصينية !)
ابن بطوطة