ليلة هانئة في فندق صغير
كتبها * ابن بطوطة * ، في 17 أغسطس 2007 الساعة: 21:00 م
مهما كانت إقامتي في فنادق الخمسة نجوم ممتعة ومريحة، فهي لا تعدل عندي ليلة واحدة في فندق صغير بصرف النظر عن عدد نجومه. ومفهوم الفندق الصغير عندي يعني الفندق الذي يشعرك بدفء المنزل وراحة البال وهدوء المحيط مع جودة الخدمة طبعا.
دعيت ذات مرة للمشاركة في مؤتمر في طرابلس بشمال لبنان. كانت تلك زيارتي الأولى لطرابلس، وخيرتني اللجنة المنظمة للمؤتمر بين فندق خمسة نجوم يقام فيه المؤتمر والمعرض المصاحب له داخل مدينة طرابلس (مركز رشيد كرامي للمؤتمرات) وبين فندق صغير (لا أتذكر عدد نجومه) خارج طرابلس ولكنه لا يبعد كثيرا عن مقر المؤتمر. اخترت طبعا الفندق الصغير. لم تتجاوز تجربتي الطرابلسية عن ليلتين، هما مدة المؤتمر، ولكنها تركت في نفسي أثرا جميلا لا يمحى. وكنت في شوق لهذه التجربة الجديدة، إذ لم يسبق لي الإقامة في فندق صغير في العالم العربي. كانت لي تجارب جميلة في تركيا وأوربا، وتحديدا في النمسا وألمانيا وبريطانيا وسويسرا.
كان الوقت مطلع الصيف، والعالم في ذلك الصيف كان مشغولا بكأس العالم 2002. وصلت مطار بيروت عصرا، وطلبت من سائق التاكسي أن يأخذني رأسا إلى طرابلس. في الطريق كانت شرفات المنازل وأسطح البنايات وحتى السيارات ترفرف عليها أعلام الدول العظمى في كرة القدم (البرازيل، الأرجنتين، ألمانيا، إيطاليا..) وخيل إلي أن لبنان من الدول التي وصلت لنهائيات كأس العالم في ذلك العام لشدة حماسة اللبنانيين في متابعة كأس العالم وتشجيع الفرق المتنافسة.
شدني منظر البحر الساحر والسيارة تقطع الطريق الجبلي الجميل. وصلت طرابلس مع غروب الشمس، ولم أهتدِ سريعا للفندق الصغير لأنه غير معروف والسائق من بيروت. وبعد استفسارات ومكالمات سريعة عثرنا على الفندق الذي يبدو من الخارج وكأنه منزل خاص، فالبناية لا تتجاوز أربعة طوابق ومساحة أرضها محدودة.
حين دخلت بهو الفندق وجدته غاصا بالرجال والنساء وهم في قمة أناقتهم، فاندهشت لامتلاء الفندق بالنزلاء بهذه الكثافة رغم صغره، فقلت في نفسي لا بد أنهم وفد سياحي كبير. أنهيت إجرءات الدخول بسرعة، وصعدت إلى غرفتي. فتحت الستارة لأرى إطلالة النافذة فلم أر سوى نورا خافتا للطريق الذي أتيت منه وهو طريق مواز للشاطئ، ولكن البحر لا أثر له، إذ لا أرى سوى مساحة سوداء مظلمة. قد يبدو المشهد موحشا، ولكن هذا ما يمكن توقعه ما دمت في "حتة مأطوعة" بعيدا عن المدينة.
فرغت محتويات الحقيبة وعلقت ملابسي في الدولاب، ارتحت قليلا ثم نزلت لتناول العشاء. البهو الذي كان مملوءا قبل أقل من ساعة لم يعد كذلك. أين اختفى الناس؟ لا أدري. توجهت إلى المطعم الصغير والوحيد المجاور للبهو فوجدت تلك المجموعة من الرجال والنساء وقد توزعوا على طاولات الموائد وكراسيها. فهمت الآن، هؤلاء مدعوون لوليمة مقامة بالمطعم، وكانوا مجتمعين بالبهو لحظة دخولي الفندق. طلبت ما تيسر من أطباق من قائمة الطعام، وكان مشهد الموائد العامرة من حولي قد حرك شهيتي لتناول الطعام. لا أذكر الآن ماذا تناولت تلك الليلة، ولكني أذكر تماما أنها كانت من أشهى الوجبات التي تناولتها في حياتي. إذًا هذه إحدى مزايا الفنادق الصغيرة؛ فالفندق الصغير لا يعني بالضرورة تواضع الخدمات أو عدم جودة الطعام.
بعد الوجبة الشهية من الأطباق اللبنانية ذات النكهة الأصيلة كان الفندق قد خلا من الضيوف المدعوين، ويبدو أن الغرف لم تكن ملآى إذ لم ألاحظ حركة دائبة. صعدت إلى غرفتي ثم نزلت إلى البهو مرة أخرى ومعي أوراق المؤتمر. فضلت مراجعة الأوراق في البهو الهادئ، واخترت أبعد ركن عن المدخل إمعانا في الهدوء، وطلبت إبريقا من الشاي الأخضر، فكانت أشبه بجلسة منزلية حميمة. أمضيت أكثر من ساعة أنهيت خلالها مراجعة الأوراق وأنهيت كذلك الشاي الأخضر.
استيقظت الصباح على مشهد البحر الرائع، فالمشهد الذي منعني من رؤيته سواد الليل أصبح أمامي ملء البصر. ولأن غرفتي تقع في زاوية المبنى فكانت هناك إطلالة جانبية على التل الذي تكسوه الأعشاب الخضراء والذي يقع أمام واجهة الفندق.
وبعد ترويقة لبنانية سريعة، توجهت لعملي في مركز المؤتمرات الذي قضيت فيه يوما كاملا. اخترت أن أمضي ليلتي الثانية في غرفتي بين مطالعة كتاب ومشاهدة التلفزيون.
صباح اليوم التالي لم أشأ أن أغادر الفندق قبل أن أكتب رسالتين؛ الأولى للغالية "أم البنين" التي لا يمكن ألا أتذكرها وأنا في هذا المكان الحميم، والأخرى رسالة شكر لمدير الفندق مبديا فيها إعجابي بالفندق وشاكرا جودة الخدمة. لكن الغريب أن مدير الفندق لم يرد على رسالتي، فأعطاني انطباعا بقصور الخدمة نوعا ما، لأن النزيل الذي يتحمس لكتابة رسالة شكر وإعجاب سيكون من قلة الوفاء له تجاهله هكذا.
فندق صغير هو خيار مناسب لمن ينشد الهدوء وصفاء الذهن وراحة البال، للاسترخاء أو تأليف كتاب أو مراجعة مشروع أو حل مشكلة، أو قضاء ليلة رومانسية!
هذه الرحلة كانت في صيف 2002 قبل أن اعتاد على حمل كاميرا أثناء السفر، ولهذا خلا الموضوع من لقطات من تصويري. واللقطة العلوية مجرد نموذج لفندق صغير.

طرابلس لبنان من البحر (الصورتان منقولتان من مواقع صور - المصور غير معروف)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رحلات, لبنان, يوميات | السمات:يوميات, لبنان, رحلات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 19th, 2007 at 19 أغسطس 2007 2:59 م
الأخ حسن
شكرا على مرورك، ويبدو أنه كان مرورا عابرا وليست زيارة!
كنت أفضل تعليقا مباشرا منك على أحد موضوعات مدونتي. وسيتم حذف نص تعميمك من هنا بعد مرور 24 ساعة من الآن. هذا فقط تقديرا لمرورك.
وبالمناسبة، ملاحظة لك ولغيرك؛ هذا النوع من التعاميم يمكنكم تمريرها عبر البريد وليس في حقل التعليقات، خاصة وأن هناك خاصية “أخبر أصدقائك” فلماذا لا تستخدم؟ وشكرا.
ابن بطوطة
أغسطس 20th, 2007 at 20 أغسطس 2007 12:54 ص
سيدي : ابن بطوطة..
كتاباتك تذكرني بكتابات الرائع أنيس منصور عن الرحلات ..حقيقي تملك قلم وصفي مميز..
حركت شهيتي على الاكل العربي فأنا في غربة والاكل هنا مرضني والله ..
دمت بخير وصحة وراحة بال …
أغسطس 20th, 2007 at 20 أغسطس 2007 1:26 ص
الأخت الحجازية
لا أذكر أنني كتبت حتى الآن عن الغربة مع أني أكون خلال أسفاري في غربة مؤقتة، وهي تختلف طبعا عن غربة من يقيم بعيدا من أجل الدراسة أو كسب الرزق أو الالتحاق بزوج. وأطول فترة غربة في حياتي لم تزد عن ثلاثة أشهر سأكتب عنها يوما ما.
ما أوحى لي بهذا موضوعك الجديد عن الغربة. وهذه دعاية بدون مقابل لمدونتك، فكونك في غربة لا بد أنك في حاجة أكثر للتواصل مع مواطنيك وإخوانك في الدين واللغة.
أما الأكل في السفر وفي بلاد الغربة فهو موضوع جذاب وشيق للكتابة.. وللقراءة.
في حفظ الرحمن.
ابن بطوطة
أغسطس 24th, 2007 at 24 أغسطس 2007 12:14 م
ضجيج الحياة .. يجعل الفنادق الفخمة تقل جاذبيتها مقارنة بالفنادق الصغيرة ..
فالهدوء .. و الخدمة الودودة .. و الجمال الطبيعي .. هي مقومات الرحلة السعيدة ..
و يبقى لكل إنسان طريقته في الاستمتاع بحياته ..
أغسطس 24th, 2007 at 24 أغسطس 2007 8:34 م
قلم طموح
سعادتي خاصة بوجود توقيعك المميز في أوراق أسفاري.
وشكرا على تسجيل انطباعك عن الموضوع.
ابن بطوطة
أغسطس 29th, 2007 at 29 أغسطس 2007 6:08 ص
ابن بطوطة ..
دامت حروفك في اعتلاء..
وفقك الله لكل خير
أغسطس 29th, 2007 at 29 أغسطس 2007 6:35 ص
بدأت أشك في نظري وأسأل الله ألا أبدأ بالشك في عقلي !!!
أزور مدونتك دائماً لكنني لك أشاهد قط هذه التصنيفات ولا هذه الإدراجات !!!
..
والذي يحيرني أن تاريخها قديم .. فكيف ذلك ؟!!
إلا إذا قصدت نشرها بتاريخ قديم في هذه الأيام .. عندئذٍ سأطمأن أني لم أصاب بالهذيان في هذه السن المبكرة
اخترت بعضها وسأقوم بالتعليق بإذن الله قريباًً ..
وأقدم اعتذاراتي على هذا التأخير غير المقصود ..
دمت برعاية الله وحفظه ..
أغسطس 29th, 2007 at 29 أغسطس 2007 11:10 ص
الفجر الصادق
جزيت خيرا على تعليقك المركّز المعبّر.
أدعو لك بالمثل.
ابن بطوطة
أغسطس 29th, 2007 at 29 أغسطس 2007 11:21 ص
نبض حياة
سلامة نظرك وعقلك، وحفظ الله لك شبابك وعمرك في طاعته ومرضاته.
ملاحظتك في محلها من دون أي التباس أو حتى ظنون. كل ما في الأمر أنني أعدت تصنيف الموضوعات (ملاحظة: لا أحب كلمة إدراجات لذا لا أستخدمها) حسب الدول، وأضفت جديدين هما: فنادق، وأسواق ومطاعم، والأخيرة لم تعجبني كثيرا لأنها تبدو تجارية وغير متسقة مع طابع مدونتي. سأعيد التفكير فيها.
التصنيفات الجديدة ربما أوحت لك بأشياء لم تلاحظيها من قبل. ليست هناك موضوعات جديدة بتواريخ قديمة، ليس هذا أسلوبي. والموضوع الأخير “ليلة هانئة في فندق صغير” جديد نسبيا، ولهذا ربما لم يلفت انتباهك قبل الآن.
بانتظار جديدك. ولو سمحت لا داعي للاعتذار إطلاقا.
ابن بطوطة
أغسطس 30th, 2007 at 30 أغسطس 2007 10:32 ص
أخي الكريم ابن بطوطه
أشكرك جزيل الشكر على وجود هذه المودنة الرائعة الثرية بما فيها والممتعة جد جدا
اعجبتي كثيرا وبالامس كانت ليلتي ليله هانئة في مدونة ابن بطوطة
زاد عشقي للسفر بعد قراءتي لمدونتك ، اتمنى ان تجمعنا الايام يوما في رحلة إلى بلد ما انشاء الله ، فكما قيل ( الرفيق قبل الطريق ) ولاشك في ان رفقتك ممتعه كما انت في مدونتك.
لا اجد من الكلمات ما اضيف سوى ان اقول لك بعد كل رحلة ” الحمد لله على سلامتك ” دائما وايدا.
تمنياتي لك بتحقيق كل ما تتمناه
أغسطس 30th, 2007 at 30 أغسطس 2007 9:56 م
أخي آدم
كم أسعدني انطباعك عن عشقك للسفر وعن أوراقي المسافرة.
أنت ثاني شخص يقترح علي هنا الصحبة في السفر، ولِمَ لا إذا سنحت الفرصة وتهيأت الظروف. هذا أمر يسعدني ويشرفني؛ فمعرفة الرجال كنز.
مشاعرك تحيطني بالنبل والأدب الرفيع.
أدعو لك بالمثل.
ابن بطوطة
أغسطس 31st, 2007 at 31 أغسطس 2007 2:35 ص
ممتع سردك كـ عادتك..حفظك الله..
لقطات أعجبتني/
مراجعتك للأوراق في زاوية بعيدة هادئة مع كوب شاي!
كتابتك الرسائل
منظر البحر..
السفر هذا فوائدة جمّة ..
سبتمبر 1st, 2007 at 1 سبتمبر 2007 2:13 ص
اسلوبك في سرد التفاصيل ممتع ,,,,,,,,
تجعلنا مشدودين لهذا الجمال
هنيئا لك هذه المتعه وجمال السفر
إحترامي
سبتمبر 1st, 2007 at 1 سبتمبر 2007 6:57 ص
نورة العبدالعزيز
أرجو أن أستحق إطراءك الذي أشكرك عليه.
اللقطات التي أعجبتك هي فعلا من المواقف المفضلة عندي في هذه الرحلة، ويمكن القياس عليها في رحلاتي الأخرى.
دعواتي.
ابن بطوطة
سبتمبر 1st, 2007 at 1 سبتمبر 2007 7:19 ص
جاردينيا
ذكر التفاصيل في كتاباتي والغوص فيها أحيانا مقصود في الغالب، ليكون القارئ معي بفكره ليتخيل أنه هو الذي يسافر ليكون دوري دور الراوي والمدون أو الموثق لبعض وقائع الرحلة.
والتفاصيل تبرز أحيانا جمالية موقف ما أو تكثف أبعاده، والحقائق والوقائع في تفاصيلي أكثر من الخيال، على عكس الروائي أو القاص الذي يغلب الخيال على الحقيقة. أنا أترك الخيال للقارئ ليسرح مع كلامي على كيفه.
شكرا على كلماتك وعلى الإيحاء لي بهذا الإيضاح.
دعواتي.
ابن بطوطة
يوليو 12th, 2008 at 12 يوليو 2008 3:19 م
أسلوب راائع
والآرووع تميزك الداائم
يوليو 13th, 2008 at 13 يوليو 2008 11:28 ص
:: أسطورهـ أناا ::
أقدر كثيرا من يقلب في أوراقي القديمة ولا يكتفي بتصفح أوراقي الجديدة.
هذا البحث الدؤوب والصبر على قراءة ما فات يعني أن وراءه قارئ مخلص.
وهذا الإخلاص في قراءة مدونتي والدأب عليه تستحقين عليه تحية خاصة تليق بأصحاب الأساطير!
ابن بطوطة
نوفمبر 30th, 2008 at 30 نوفمبر 2008 8:58 ص
اجمل تصوير لواقع موجود http://www.hopespirit-jo.com