من نيبال إلى أوكسفورد: حوار مع آن
كتبها * ابن بطوطة * ، في 10 أبريل 2006 الساعة: 20:30 م

محطة الباصات بجوار مطار هيثرو حيث تشير الساعة إلى 07:50 صباحا
أثناء رحلتي الأخيرة إلى إنجلترا قابلت في محطة الحافلات بجوار مطار هيثرو القريب من لندن سيدة نحيلة وصغيرة الجسم، هادئة، تبدو في صحة جيدة رغم تقدمها في العمر. كنا بانتظار الحافلة التي ستأخذنا إلى أوكسفورد. قادتها الصدفة إلى حيث أجلس على مقاعد الانتظار في صباح بارد، سألتني إن كان بإمكاني الانتباه لأغراضها ريثما تذهب لشراء صحيفة، رحبت بمساعدتها بكل سرور. لم تغب طويلا حتى عادت بالصحيفة وهي تقول: لم أقرأ صحيفتي المفضلة منذ شهر وكنت حريصة على شرائها قبل صعود الحافلة. وقبل أن أفكر في أي تعليق على كلامها أكملت موضحة لي أنها كانت على سفر وعادت إلى الوطن للتو.. كانت في نيبال. لم يدهشني كثيرا ذكر هذا البلد النائي على قلة الناس الذين يسافرون إليها، فللناس في ما يسافرون مذاهب
ولكن ما لم أتوقعه إن هذه هي رحلتها الخامسة إلى نيبال، وهي تسافر إلى هناك بانتظام منذ تقاعدها. وهل كنت وحيدة في رحلتك؟ سألتها فأجابتني بأن رفيقيها في السفر عادا معها ولكنهم تفرقوا في هذه المحطة بعد وصولهم، كلا إلى حال سبيله
صعدنا إلى الحافلة واستأذنتها في الجلوس بجانبها، لقد أثار حديثها فضولي وأحببت أن أسمع المزيد منها، إذ يبدو أنها صاحبة تجارب في السفر والحياة. جلست بقربها لسبب آخر؛ إنها زيارتي الأولى لأوكسفورد وربما أحتاج لبعض المعلومات منها. مم تقاعدت؟ قالت لي إنها كانت معلمة، وهي الآن تأخذ بعضا من راتبها التقاعدي لتتبرع به لمدارس في نيبال تقوم هي برعايتها
أدركت من حديثها أن رحلاتها المتعددة إلى نيبال ومعايشتها للناس هناك كوّن لديها خلفية جيدة عنهم وعن عاداتهم . قالت إنهم لطفاء ويحبون الأجانب وخاصة السياح، وهم منفتحون على الأجانب لتعودهم على السياح. ذكرني حديثها بما أعرفه عن حليب الزبدة الذي يتناوله الناس في نيبال، سألتني كيف عرفت ذلك، قلت لها من أحد الأفلام (سبع سنوات في التبت Seven Years in Tibet)
هذه المرأة العجوز التي لا يبدو عليها كثيرا آثار الزمن تعيش وحيدة لأنها لم تتزوج قط. فكيف تقضي وقتها؟ قالت لي إنها مشغولة بالسفر إلى نيبال شهرا في العام، وتتعاون مع المدارس في منطقتها التي تقطن فيها أثناء مواسم الاختبارات شهرين في العام، والتسعة أشهر الباقية من السنة تتسلى فيها بالاعتناء بزهور حديقة المنزل
لا بد أن القراءة، قراءة الكتب وليست الصحف اليومية، تشغل جزءا من وقتها، هكذا أخمن لأني لم أسألها عن قراءاتها، ولكني سألتها إن كانت تكتب مذكرات أو ملاحظات عن مشاهداتها وتجاربها في السفر، فخيبت ظني عندما أجابت بلا! كيف يمكن لتجربة جميلة كهذه التي تمر بها هذه المخلوقة اللطيفة وبإرادتها التي تقوى مع مرور الأيام، وليس العكس، أن تطوى بانقضاء السنين دون أن يطلع عليها الآخرون ويستفيدوا منها؟
مر بنا الوقت نحو ساعة والحافلة تأخذنا إلى المحطة الأخيرة في وسط أوكسفورد، في حي غلوستر غرين. نزلنا من الحافلة والثلج الصباحي يهطل كرذاذ ناعم لا يكاد يُلمس. أصرت أن تصحبني إلى مكتب الاستعلامات بهذه المحطة لأعرف مواعيد رحلات الحافلات اليومية حتى أتمكن من العودة إلى هنا في الوقت المناسب حين أقصد وجهتي التالية بعد أوكسفورد، وبعد خروجنا من المكتب أصرت بلباقة على أن تصحبني إلى حيث مكان انتظار سيارات الأجرة (التاكسي) لأذهب إلى الفندق الذي حجزت فيه لأستريح. بعد أن شكرتها وودعتها توجهت هي نحو اتجاه آخر لتلحق بحافلة أخرى تقلها إلى حيث تسكن في إحدى القرى القريبة من أوكسفورد
مضت آن - وهذا اسمها - إلى حال سبيلها، بينما مكثت في الطريق إلى الفندق أفكر في عزيمة هذه السيدة المتقاعدة واهتمامها بوقتها وشغفها بشغل فراغها على نحو أخاذ
ابن بطوطة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بريطانيا, رحلات, سفر, مدن, مشاهدات, يوميات | السمات:يوميات, مدن, مشاهدات, بريطانيا, رحلات, سفر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























فبراير 11th, 2007 at 11 فبراير 2007 12:08 ص
السلام عليكم ابن بطوطة ، و تحياتي لقراءك !
ليست هذه العجوز فقط يا سيدي ابن بطوطة لديها همة كبيرة ، أصدقك القول أن لدى جدتي همة أكبر ، تخرج من باكر الفجر إلى “الجنينة الصغيرة” و تبدأ بحرثها ..
الفرق أن السيدة آن متعلمة و ظروفها المعيشية متهيأة للخروج في رحلات تبشيرية أو إنسانية أو حتى سياحية بحته .. في حين أن جدتي لم تخرج من الرقية قط إلى إلا بلاد الحرمين لأداء فريضة الحج ..
تدوينتك هنا أكثر من رائعة ، و ربما سيُشغل بالي فيها لفترة أنا الآخر ، أتمنى لك الخير ، و أتمنى عليك أن تستمر في سرد ما يجول في خاطرك من رحلات استوقفتك فيها مواقف وعبر و طرائف..
يحفظك الرحمن ..
فبراير 11th, 2007 at 11 فبراير 2007 4:47 ص
حفظ الله جدتك يا صديقي أحمد وحفظ للجميع الكبار سنا ومنزلة في بيوتهم وعوائلهم. هم الخير والبركة لنا جميعا.
العجوز البريطانية أمثالها كثيرون وكثيرات، وقصدت هنا الإشارة إلى حسن استغلال الوقت بعد التقاعد، وإعمار العمر بالمفيد، كلٌ على شاكلته.
فبراير 27th, 2007 at 27 فبراير 2007 8:02 م
مدونة رائعة لم استمتع منذ فترة بأى كتابة فى ادب الرحلات مثل هذه الكتابة اتمنى لك التوفيق اما بخصوص آن فهى دليل على الفرق بيننا و بين الغرب فالمرأة عند العرب كل مهمتها ارضاء الرجل و تربية الابناء و بعد رحيل الابناء تجلس فى بيتها لا تعمل اى شئ سوى انتظار اجلها بالرغم من ان الرسول (ص) قال: إذا قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة فليغرسها ) هذا ما تفعله آن مع فارق هو انها ليست مسلمة و ربما هذا احد اسباب تفوقهم علينا حتى الان
اشكرك على هذه التدونية و ارجو الا تحرمنا من المزيد
سلام
فبراير 28th, 2007 at 28 فبراير 2007 5:57 ص
أهلا بالفارس!
زيارتك لمدونتي المتواضعة وتعليقك أعلاه يعني لي الكثير.
وكما تلاحظ فقد توقفت عن الكتابة في هذه المدونة منذ شهرها الأول (أبريل 2006)، فقد دخلت تجربة المدونات من أجل التجربة كمرحلة أولى، وبفضل تشجيع بعض الأصدقاء، والقراء أمثالك، أفكر في العودة للتدوين من جديد، لو مرة أو مرتين شهريا، أي سيكون التدوين بشكل منتظم حتى لو كانت الموضوعات قليلة.
سأكون سعيدا جدا بمتابعتك لي يا فارس. وعلى فكرة، كتبت حتى الآن أربعة موضوعات جديدة سأنشرها تباعا قريبا. فكونوا معنا (بلغة الفضائيات)
نوفمبر 29th, 2007 at 29 نوفمبر 2007 11:02 م
كثيرا ما أفكر بما سيكون عليه حالي عندما يتقدم بي العمر..
هل سيكون أبنائي بررة؟
هل سأتزوج أسأساً؟
هل سأكون بصحة جيدة؟
تأملت قليلا..فوجدت أن كل هذه العوامل ليست بيدي..إنما بيد الله عز وجل..
إذن لم أفكر بها؟!!
الأولى بي أن أفكر بمشروع استراتيجي لاستغلال وقتي..مشروع لا يتأثر بالعمر..وأبدأ منذ الآن بالاستعداد له..
قصتك مع آن ذكرتني بتفكيري المستغرق في هذه المرحلة من العمر!
ممارسة الهوايات- العمل التطوعي - العمل الخيري..كلها قنوات ممتازة لشغل الأوقات بما يفيد النفس والمجتمع..
وررغم أن آن لم تصدر كتاباً، إلى أن خبرتها وصلت إلينا من خلال أوراق مسافرنا ابن بطوطة..
فالشكر له..
ديسمبر 8th, 2007 at 8 ديسمبر 2007 10:15 م
:: قلم طموح ::
شكرا على إشراكنا معك في تفكيرك المحلّق.
وإذا بلغتِ سن آن - بعد عمر مديد مبارك إن شاء الله - سيكون بينكما اختلاف واحد على الأقل، ستكونين صاحبة مؤلفات، وخاصة في مجال تطوير الذات!
دمتِ بخير.
ابن بطوطة