الصين.. كما شاهدت وسمعت في أسبوعين (3)
كتبها * ابن بطوطة * ، في 11 أغسطس 2007 الساعة: 15:45 م

ملامح المدن الصينية تتغير باستمرار لسرعة دوران البناء والعمران فيها على مدار العام - اللقطة لبيجين عند الشروق (تصوير: ابن بطوطة)
لم أتوقع أن انقطع عن هذه السلسلة شهرين كاملين، مع أن الانقطاع لم يكن تاما بفضل الفاصل المصور الذي قدمت فيه مَشاهِدَ ورؤى تنبض بروح الصين وحياة الصينيين. وللأمانة، لست أدري متى ستتوقف هذه السلسلة، بهذا العنوان، لأني أكتب من عفو الخاطر، ولكن بما تسعف به الذاكرة وما استقر فيها من انطباعات ومشاهد وأفكار ومواقف ومعلومات. وفي البال الآن أن أكمل ما بدأت به من خلاصات واستنتاجات وملاحظات في إطار هذه السلسلة التي ربما تنتهي بهذا الجزء، وربما يليها جزء آخر أو أكثر. ثم أخصص مساحات منفصلة لكل مدينة من المدن الصينية التي زرتها، حديثا وقديما. وسيكون حديث المدن متقطعا، لتتخلله كتابات عن بلدان وشعوب أخرى طال الأمد دون تناولها. فمنذ البداية وأنا متحمس لأكتب لكم عن مدن عربية وآسيوية (غير الصين) وأوربية وأمريكية، ولكن رحلات الصين الأخيرة ألحت عليّ الكتابة من وحيها. ويبدو أنني سأعد من الآن قائمة بالموضوعات القادمة حتى تكون الكتابة منظمة ومعدة جيدا، قدر الإمكان، بما يليق باهتمامكم ومتابعتكم.
** ** **
-
"رغم إعجابي بالأسلوب الأمريكي فإني أتوقف عند التجربة الصينية بإعجاب أكثر لأنها تجربة قريبة لنا، ويمكن أن تلهمنا. الشعب الصيني لا يمشي مثلنا ببطء، إنه يقطع الخطوة في ألف خطوة، شيء عجيب جدا!" هذا ما قاله مؤخرا محمد علي العبار رئيس شركة إعمار العقارية الإماراتية الضخمة التي تقدر أصولها وقيمة مشاريعها في كثير من دول العالم بمئات المليارات من الدولارات. وهذا الإعجاب تقرؤه وتسمعه عن الصين باستمرار. وحين تزور الصين وتشاهد مظاهر البناء والتطور فيها لا تملك إلا الخروج بمثل هذا الانطباع المدهش. الصين تبني الآن نموذجها الخاص في الحضارة العصرية. وصارت دول العالم، ومن بينها الدول العربية، تخطب ودها للتعلم منها والاستفادة من تجربتها الثرية.
التقيت في زيارة سابقة للصين بمراسلة وكالة رويترز العالمية للأنباء في بيجين، ودار بيننا حوار الحريات العامة في الصين، فقالت بالرغم من انفتاح الصين على العالم وانفتاحها على الأجانب المقيمين فيها والزائرين لها، إلا أن هناك قيودا على الحريات، واستشهدت بمراقبة تحركات المراسلين الأجانب على أرضها، وأنهم مجبرون على السكن في مجمع واحد يخضع لمراقبة السلطات الصينية. كان هذا الكلام في شتاء 2006. أثناء زيارتي الأخيرة في ربيع 2007 جلست في بيجين مع مجموعة من الصحافيين والصحافيات الصينيين، كنت قد تعرفت على بعضهم أثناء زيارة سابقة لي إلى بيجين، ثم تجدد اللقاء بيننا عندما زاروا الرياض العام الماضي. لاحظت أثناء الحديث معهم هذه المرة أنهم يتحدثون بحرية عن أوضاع الصين، هذا رغم عدم المعرفة المسبقة بين بعض منهم. وبعد العشاء في أحد المطاعم اصطحبني أحد هؤلاء الصحافيين في طريق عودتي للفندق مشيا على الأقدام، وطوال الطريق كنا نتحدث عن مسألة الحريات العامة وحرية الصحافيين الأجانب في الصين، وتعمدت أن أثير هذا الموضوع ونحن في مكان عام، فوجدت الرجل يتحدث بثقة وهدوء، ودون أن يتلفت يمنة ويسرة أو يتأكد ممن حوله قبل أن يجيبني. استفسرت منه عما قالته تلك المراسلة الأجنبية قبل أكثر من عام، فقال لي إن الصحافيين الأجانب يتمتعون الآن بحرية الحركة والتنقل، ويختارون المسكن الذي يروق لهم، والأهم من هذا أنهم يعملون بحرية أكبر من السابق. ولم يستنّ لي الاتصال بالمراسلة الأجنبية للتأكد من صحة كلام الصحافي الصيني، ولكن المناخ العام الذي لاحظته أثناء وجودي في الصين يجعلني ميالا لتصديق الصحافي الصيني. كما أن عامة المواطنين بمن فيهم الموظفون وسائقو سيارات الأجرة يتحدثون بحرية، وينتقدون الحكومة أحيانا. طبعا هذه الانتقادات لا تظهر في العلن في وسائل الإعلام التي يسيطر عليها الحزب الشيوعي الحاكم وسلطات الحكومة، لكن الشعب بدأ يحس بحريته في التعبير وأخذ يمارسها حتى في الأماكن العامة. أما في وسائل الإعلام فهناك درجة من الحرية المقننة، أتوقع أن تزداد بمرور الأيام.
-
هناك إرادة قوية لتطوير المجتمع الصيني وضبط السلوك الاجتماعي العام. مثلا، هناك عادة البصق في الشوارع والأماكن العامة وهي عادة ذميمة ولكنها كانت منتشرة بكثرة في السنوات الماضية. الآن لا يمكن أن تجد أحدا يبصق في الأماكن العامة. وقس على ذلك النظافة العامة، فالأرصفة والشوارع والأسواق والمطارات نظيفة بشكل ملاحظ. طبعا الوضع يختلف في الأحياء الفقيرة والمدن الأقل نموا، ولكن السلوك العام والوعي العام تطور بدرجة ملحوظة. وتستغل السلطات الأحداث الدولية الكبرى المقامة على أرضها لتهذيب سلوك مواطنيها وإظهارهم بمظهر متحضر أمام الزوار الأجانب. وهذا ما تفعله هذه الأيام، بل منذ فترة، استعدادا لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية في بيجين وبعض المدن الأخرى بعد عام من الآن. ومن بين هذه الخطوات توعية سائقي سيارات الأجرة وتعليمهم اللغة الإنجليزية.
احتلت الصين المرتبة الثالثة عالميا بعد اليابان والولايات المتحدة الأمريكية في عدد طلبات براءة الاختراع، ووفقا للمنظمة العالمية للملكية الفكرية التابعة للأمم المتحدة فقد ارتفع عدد طلبات تسجيل براءات الاختراع المقدمة من الصين سنويا بمقدار الثلث في عام 2005، مما يعكس قوتها المتنامية في مجال التكنولوجيا والابتكار. وسعت الحكومة الصينية إلى تشجيع الشركات على زيادة الاستثمارات في مجالي البحث والتطوير بهدف زيادة هامش الأرباح والحفاظ على النمو الاقتصادي. غير أن التحدي الذي يواجه الصين من الجانب الآخر يتمثل في معاناتها من أسوأ حالة هجرة أدمغة في العالم، حيث إن ثلثي الطلاب الصينيين الذين أوفدوا للدراسة في الخارج منذ الثمانينيات لم يعودوا إلى البلاد، فمن بين مئة ألف طالب غادروا الصين للدراسة منذ عام 2002 لم يعد إلى الوطن سوى 20 إلى 30 ألفا. لكن الحكومة الصينية تعول على الازدهار الاقتصادي المتنامي والانفتاح النسبي المتدرج فضلا عن الرواتب المغرية التي بدأت الشركات الصينية تدفعها للكفاءات العالية في جذب العقول المهاجرة وعودتها إلى الوطن.
-
من التحديات الكبرى التي تواجهها الصين قضايا التلوث البيئي، فليس من الصعب حين تزور أي مدينة صينية أن تلاحظ مظاهر التلوث في كل مكان، بدءا بالهواء وامتدادا إلى أمور أخرى كتكدس النفايات وخاصة مخلفات المصانع والإنشاءات نظرا للتطور الصناعي والعمراني الهائل الذي تشهده البلاد. ففي العاصمة بيجين وحدها صرفت الحكومة المليارات في محاولة منها لتخفيض نسب التلوث لكن دون نجاح، فقد تم إغلاق عدد من المصانع بينما تم نقل عدد آخر إلى خارج العاصمة، لكن أعمال البناء التي لا تتوقف ومبيعات السيارات الضخمة جعلت نوعية الهواء رديئة للغاية. وزاد الطينة بلة ما أعلنه مؤخرا رئيس اللجنة الأولمبية الدولية من احتمال تأجيل بعض الألعاب في دورة بيجين 2008 نظرا لتلوث الهواء.

مسجد المنارة في قوانتشو (كانتون) بجنوب الصين، أقدم مساجد الصين على الإطلاق، ويلاحظ اختلاف تصميمه عن مساجد بيجين التي نشرنا ملامح عنها في موضوع سابق (تصوير: ابن بطوطة)

مئذنة مسجد المنارة وقد اشتهر هذا المسجد التاريخي منذ إنشائه قبل قرون بهذه المئذنة البديعة (تصوير: ابن بطوطة)

الطرق السريعة المنتشرة في أراضي الصين من أبرز مظاهر التنمية فيها وهي التي ربطت أقاليم لبلاد ببعضها بعضا، وتستخدم الرسوم المحصلة من السيارات والشاحنات والباصات العابرة لهذه الطرق في صيانتها (تصوير: ابن بطوطة)

مطاعم ماكدونالدز الأمريكية، أحد رموز الرأسمالية، منتشرة بكثرة في مدن الصين ذات النظام الشيوعي - الصورة من قوانتشو (تصوير: ابن بطوطة)

عمال النظافة منتشرون في الحدائق والأماكن العامة، وقد حقق الصينيون نقلة حضارية بانضباطهم في النظافة العامة - اللقطة من مدينة هانغتشو (تصوير: ابن بطوطة)
الأشجار الوارفة من خصائص مدن الصين الكبرى ولكنها لا تكفي للحد من التلوث الهائل التي تعاني منها - الصورة لأحد شوارع قوانتشو (تصوير: ابن بطوطة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الصين, رحلات, سفر, مشاهدات | السمات:مشاهدات, الصين, رحلات, سفر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 12th, 2007 at 12 أغسطس 2007 8:41 م
مشاهدات ثريه
نقلتنا للزمان والمكان وجعلتنا جزءاً من الصوره ,,
شكراً لزيارتك مدونتي ومنحي فرصة الولوج لعالم مرتحل مثلك ,,
ستجدني هنا كثيراً يا بن بطوطه ,,
مدونتك تزدحم بالفائدة ..
دمت بكثير خير
عبير
أغسطس 12th, 2007 at 12 أغسطس 2007 10:03 م
هلا عبير
تسعدني صحبة قارئة واعية وكاتبة موهوبة مثلك.
آمل أن تجدي هنا ما يفيدك ويمتعك.
ابن بطوطة
أغسطس 18th, 2007 at 18 أغسطس 2007 2:10 ص
استمتعت .. استمتعت .. استمتعت ..
..
طريقة سردك ووصفك للحضارة الصينية ممتعة تجعلني لا أتوقف أو لا أريد أن ينتهي المقال ..
قد تكون هذه رشوتي المحفزة لك لتطرح السلسلة التي تنوي كتابتها
أما الصور فشيء آخر ..
أحببت الصين أكثر لكني تخوفت من قصة التلوث وأزعجتني هجرة الأدمغة .. فالعدد الذي يعود من بين المهاجرين أصلاً ضئيل جداً ..
بانتظار مقالات قادمة ..
دمت بخير وإلى خير ..
أغسطس 18th, 2007 at 18 أغسطس 2007 3:05 ص
أهلا نبض حياة
على ذكر التلوث وهجرة الأدمغة، من الأمور التي حرصت عليها أن أظهر بعض السلبيات في تجربة الصين التنموية لأكون موضوعيا ومتوازنا في طرحي. فمع استطرادي في الكتابة خشيت أن يؤخذ علي المحاباة أو الانسياق وراء دعاية سياسية، حتى لو كانت غير مقصودة. هناك أخطاء وخطايا في تاريخ الصين وحاضره، ولم أقع في كتاباتي على كل صغيرة وكبيرة، ولكني في نفس الوقت لست مؤرخا ولا ناقدا. وإذا تطلب السياق تحليل سلبية ما أو التدقيق فيها فلن أتردد.
الخلاصة أن هاجس الموضوعية يتملكني برغم الإيجابيات الكثيرة التي تناولتها، وسأتناولها في الموضوعات القادمة، مع الأخذ في الحسبان الإعجاب والانبهار اللذين يبديهما الكثيرون للصين وأهلها.
وعلى ذكر التلوث أيضا، هناك مناطق في الصين لا تزال بكرا بمعنى الكلمة، وهناك مناطق غارقة في الطبيعة الخلابة التي يندر وجودها في العالم، والسلطات هناك تقدم بعض هذه المناطق للسياح والزوار بحرص وحذر شديدين للمحافظة عليها من كل المؤثرات البيئية السلبية.
وشكرا على المتابعة والتواصل.
ابن بطوطة
أغسطس 26th, 2007 at 26 أغسطس 2007 3:23 ص
لم تكن الصين بالنسبة لي مكاناً أتمنى السفر إليه !
لكن يبدو أن الفكرة ستتغير ..
لم أتوقع أنها نظيفة و متطورة بهذا الشكل !
و واضح أنها بلد ذكي ، يستفيد من الأحداث ليحسن وضعه ، من حيث تحسين السلوك الاجتماعي كأحد استعدادات استضافة دورة الأعاب الأولمبية ..
أشكرك على تصحيح معلوماتي ..
أغسطس 28th, 2007 at 28 أغسطس 2007 9:22 ص
قلم طموح !
ليست فكرتك التي تغيرت فحسب، بل الصين نفسها تغيرت.. كثيرا.
ابن بطوطة
ديسمبر 18th, 2007 at 18 ديسمبر 2007 1:54 م
مقال ممتع بالفعل و يجعلني أرغب في زيارة الصين بنفسي.
و إن كنت أشعر بالعجب كلما فكرت في الصين, فمنذ صغري أعرف عنهم الدقة و الإنضباط و الإخلاص و كلامك يؤكد هذه المعاني ثم أنظر إلي المنتجات الصينية الرخيصة التي تملأ أسواقنا و التي تتصف بالرداءة و قلة الجودة فأتعجب !
فهل لاحظت شئ مثل هذا خلال زيارتك.
د/ ممدوح عز
مدونة صيدلية الملاك
ديسمبر 29th, 2007 at 29 ديسمبر 2007 8:55 ص
مرحبا بأخي د. ممدوح عز
سعيد بتواصلك المشهود مع مدونتي المتواضعة، وأشكرك على ذلك.
الصين تنتج كل شيء، وتصنع كل شيء، وتكاد تصدر كل شيء، فأين المشكلة؟
كثيرون غيرك يتعجبون مثلك، ولكن السبب ليس في المصانع الصينية ولا في السلطات الصينية، بل في المواصفات. فالأسواق (الخارجية للصين) الرديئة تطلب السلع الرديئة بهدف الكسب السريع والرزق الوفير، وأخشى أن يكون رزقا غير حلال ولا مبارك لضرره على المستهلك.
والمنتِج - بكسر التاء - الصيني عموما على استعداد لإنتاج وتصدير ما يطلبه الزبون، بصرف النظر عن الجودة، ما دامت المسألة عرض وطلب. وهذا لا يعني بالطبع عدم وجود مصانع صينية لا تقبل مستويات إنتاج رديئة، فالتقدم الصناعي في الصين أوجد قدرات إنتاجية عالية الجودة إلى جانب وجود واستمرار المصانع الرديئة الإنتاج.
ودول كالولايات المتحدة وأوربا واليابان لا تباع فيها سلع رديئة، أيا كان مصدرها، لأن مواصفاتها التي تفرضها على وارداتها من السلع لا تسمح بذلك، وفي ذلك حماية لأسواقها وللمستهلكين فيها.
وإذا عُرف السبب بطل العجب!
ابن بطوطة
أبريل 16th, 2008 at 16 أبريل 2008 8:38 م
اشكرك اخي الكريم علي هذا الطرح الرائع انا من عشاق هذه المواضيع وكاني وجدت ضالتي تحياتي لك
أبريل 16th, 2008 at 16 أبريل 2008 9:36 م
:: محمد أبو غليون ::
سعيد بأنك وجدت ضالتك هنا. وسأكون أكثر سعادة لو أفدتني بتعليقاتك على الموضوعات التي تلفت انتباهك في هذه المدونة.
أهلا بك دائما.
ابن بطوطة