
مدخل الفندق الذي أقمت فيه في عاصمة ألمانيا السابقة بون
(الصورة منقولة من موقع الفندق)
بونBonn تنام مبكرا. ومع أنها كانت – زمن هذه القصة – عاصمة ألمانيا الاتحادية بعد ضم ألمانيا الشرقية إليها بانتهاء الحرب الباردة وسقوط سور برلين، إلا أنها كانت تنام مبكرا، لسبب رئيسي يسهل استيعابه وهو العادة. وقد يصعب استيعابه لكثيرين منا في مجتمعاتنا التي تعشق السهر وتدمن الأرق حتى باتت مظهرا فاضحا من مظاهر تخلفنا وتردي إنتاجيتنا.
مدينة تنام مبكرا لأن أسواقها تغلق أبوابها السادسة مساء، وحاناتها وباراتها وهي أماكن السهر المعتادة تودع آخر مرتاديها الحادية عشرة ليلا أو منتصف الليل كحد أقصى. ولأن القوم ينهضون مبكرين بعد أن تكون أجسادهم قد أخذت قسطها الوافر من الراحة حتى تعود في اليوم التالي للعمل، أو حتى للّهو!
هذه المدينة الصغيرة تنام مبكرا، فما بالك بضاحيتها الراقية بادغودسبيرغ Bad Godesberg التي تكثر فيها مقرات سكن السفراء وكبار الدبلوماسيين وبعض السفارات والقنصليات، مع أسواق ومتاجر على جانبي شوارع مترفة الأناقة.
كنت أسكن في فندق صغير بهذه الضاحية اسمه عدن Eden Hotel، فيه 44 غرفة موزعة على أربعة طوابق. أمام الفندق حديقة كبيرة غناء كاملة الاخضرار، تحيط بها شجيرات الورود إحاطة السوار بالمعصم، يتوسطها ملعب لكرة التنس وناد رياضي ومسرح صغير، مع نبع مياه معدنية يرتوي منه سكان المنطقة والمارة مقابل شلنات زهيدة. والفندق على حافة حي سكني وتجاري مبدع التخطيط، تتخلله ممرات وأزقة للمشاة، على جنباتها مطاعم ومقاهي، متاجر سلع فاخرة، وعدد أقل من متاجر معقولة الأسعار، ومكتبات تجارية وعيادات ومحل نظارات وسواها.
في هذا المحيط الهادئ الراقي لا يمكن أن تتوقع حدوث ما يعكر الصفو أو يشوش المزاج. في بعض ساعات النهار أو الليل قد يبدد سكون المكان لوهلة صوت منبه سيارة شرطة تخترق الشوارع المحيطة وهي في طريقها إلى مكان آخر، أو تشاهد شرطيا وقد أخذ بهدوء بتلابيب أحد السكارى خشية أن يرتكب محظورا أمنيا. هذا أقصى ما يمكن أن يعكر صفو الأمن والأمان في هذه الضاحية الحي الأشبه بمدينة مصغرة. ولهذا فإن أي حادث أمني قد يقع في هذا المكان يحدث بنفس هدوء المكان. فما الذي حدث؟!
ذات ليلة في نهاية أسبوع، زارني في فندقي الصغير صديق أنا حديث عهد بصداقته، هو يحضر الماجستير في إحدى جامعات ألمانيا ويدير في الوقت نفسه أحد أقسام السفارة السعودية في بون، وهو اليوم مدير أحد أهم المراكز الإسلامية في أوربا. جاءني الرجل يحمل معه دلة قهوة عربية صنعتها زوجته على ما يبدو، مع شيء من التمر. أتاني لنتسامر بالحديث في بهو الفندق وهو يعلم أنني مقيم لوحدي. اخترنا للجلوس أحد أركان البهو الصغير الذي لا يتسع سوى لثلاثة أطقم من الأرائك (الكنبايات). كنا لوحدنا معظم وقت المساء. ومن عادة الألمان وزوارهم في نهايات الأسبوع أن يسهروا خارج الفنادق، إما في المطاعم أو البارات أو الملاهي أو الأماكن العامة، لذا كان البهو خاليا إلا مني ورفيقي.
وبينما كنا نتحادث، دخل الفندق نزيلان جديدان، رجل وامرأة، لم يلفتا أنظارنا في البداية. جلست المرأة في مقعد غير بعيد عنا بينما اتجه الرجل إلى موظف الاستقبال لعمل إجراءات المبيت بالفندق. بعد لحظات من جلوسها في مكانها، التفتت إلينا المرأة وهي تسأل بالألمانية: بأي لغة تتحدثان؟ ولأن صاحبي يتقن الألمانية أجابها بأننا نتكلم بالعربية. فتكلمت معه للحظات كلاما عاديا من أجل تزجية الوقت لا أكثر. وبعد أن استلم الرجل مفتاح الغرفة اتجها إليها. ثم ما لبثا أن عادا إلى البهو لطلب الطعام وبعض المشروبات. ولأن الفندق ليس به مطعم ولا يقدم أي نوع من "خدمات الغرف" المتعارف عليها، فهو يكتفي بتقديم الطعام في أضيق الحدود، وليس كخدمة يومية، كحساء ساخن مع بعض البسكوتات وقطع من الجبن، لا أكثر.
كثرة حركة هذين الشخصين بين الردهة المؤدية لغرفتهما والبهو حيث يوجد موظف الاستقبال لفتت أنظارنا أكثر من مرة، ولكننا لم نلق بالا لأن الأمر لا يعنينا. في نهاية الجلسة والساعة قاربت على الحادية عشرة استأذنني صاحبي لإنهاء زيارته، واتجه قبل الخروج من الفندق إلى موظف الاستقبال للسؤال عن إمكانية حجز شقة مفروشة في بناية غير بعي













