ذات صيف في الريف الإنجليزي

يوليو 19th, 2008 كتبها  * ابن بطوطة * نشر في , بريطانيا, سلسلة "اختياراتكم", مشاهدات

  englis

سحر الريف الإنجليزي وجماله الأخاذ يفوق الوصف أحيانا (لقطة من الإنترنت - المصور غير معروف)

 

 .

.

.

.

 

سلسلة اختياراتكم (1)

ذات صيف في الريف الإنجليزي*

راودني حلم لا يزال حلما، وهو أن أقضي أياما وليالي في كوخ أو منزل صغير في أحضان ريف أوربي، في عمق الاخضرار وعلى حافة بحيرة أو بجانب نهر صغير جارٍ أغسل فيه وجهي كل صباح! أتناول إفطاري من حليب المزرعة وجُبنها وزبدها، وخبز فران القرية المجاورة، مع مربى فاكهة الحقل المجاور، أو بيض المزرعة نفسها. والغداء قد يكون أضلاع بقر أو ريش غنم مشوية من ماشية المزرعة مع بطاطس مهروسة من إنتاج الحقل وخضروات أخرى طازجة. والعشاء ساندويتش مع حساء وفواكه من محصول القرية. والوقت بين الوجبات أوزعه بين القراءة والتفكير والتأمل، وجولات على الأقدام في الأرجاء المحيطة. إجازة بلا صحف ولا تلفزيون ولا أسواق ولا بريد إلكتروني ولا حتى مدونات!

على أرض الواقع، زرت أريافا في النمسا وألمانيا وسويسرا وإنجلترا، وأقمت في مدن قريبة من الريف، ولكن لم أبت أي ليلة في أحضان الريف على النحو الذي أحلم به.

أول عهدي بالريف الأوربي كان أثناء تنقلي بين أربع مناطق في النمسا، بالقطار والحافلة، وكان يأسر الأنظار ويأخذ بالألباب مشهد السهول الخضراء المنبسطة، والجبال الدائمة الاخضرار عدا شهور الشتاء البيضاء، بينما يكسو الجليد قمم الجبال صيفا وشتاء.

والتجربة الثانية كانت مع الريف الألماني حيث كنت أقيم في بون بالقرب من كولون، وبون كانت عاصمة ألمانيا الغربية قبل الوحدة التي جمعت بين شطري ألمانيا الشرقي والغربي. وكان يأخذني بعض الأصدقاء العرب إلى الريف القريب من بون في بعض نهايات الأسبوع لشم الهواء النقي والإطلالة من هضبة على المروج الخضراء في واد عريض تتوزع فيه مزارع صغيرة مغرقة في الوداعة والهدوء.

وتجربتي الثالثة، وهي عابرة، كانت مع الريف السويسري، في بعض المناطق المجاورة لزيورخ، المدينة السويسرية الباذخة بلا ترف والأنيقة بلا سرف. كانت جولة عابرة في سيارة أحد الأصدقاء، أطللتُ خلالها على الريف السويسري من بعيد.

dscn24

الريف الإنجليزي لا يختلف كثيرا عن الريف الأوربي وإن كنتُ أعتقد أن الريف الألماني أكثر اخضرارا (تصوير: ابن بطوطة)

dscn24

نحلة تجمع رحيق الزهور في رحلة صباحية لا تعرف الملل ولا الكلل (تصوير: ابن بطوطة)

dscn23

شارع هادئ في إحدى ضواحي كوفنتري القريبة من الريف شمال لندن (تصوير: ابن بطوطة)

 

 

 

 

 

 

 

والتجربة التي أكتب عنها الآن حدثت في الريف الإنجليزي، وهي تجربة مختلفة تماما. ذهبت إلى هناك لزيارة معرض زراعي على مدى أيام، وكنت أسكن في فندق ببلدة على أطراف الريف. لم تكن عطلة في الريف الإنجليزي، بل زيارة عمل، ولكنها أتاحت لي التعرف على هذا الريف عن قرب، ليس بالعيش فيه، ولكن بالاطلاع على نمط الحياة الريفية من خلال أقسام المعرض ونشاطاته، وهو معرض مقام أصلا في الريف.

زرت موقع المعرض على دفعتين، الأولى قبل المعرض بأربعة أشهر، لم يكن أي شيء من المعرض قائما بعد، ولكن ذهبت إلى هناك لبعض الاجتماعات فوجدت المكان على الطبيعة، كان ذلك في أبريل 2004، ويفترض أن يكون الجو ربيعا، ولكن طول الشتاء الإنجليزي يجعل دخول الربيع متأخرا، ويبدو الصيف ربيعا. وهذا ما وجدته في أواخر يونيو وأوائل يوليو حين قصدت المكان في المرة الثانية فوجدته اخضراره ربيعيا، وجوّه معتدلا.

المكان هو ستونلي بارك Stoneleigh Park قريبا من كوفنتري، وهي مدينة على بعد 153 كيلومترا شمال غرب لندن. استقر المقام بأشهر معرض زراعي في بريطانيا، وربما في أوربا، واسمه المعرض الملكي The Royal Show في هذا المكان، ستونلي بارك، بعد أن تنقل لسنوات في أرجاء إنجلترا.  عمر هذا المعرض أكثر من 160 عاما، يحظى برعاية ملكية منذ إنشائه، وتنظمه سنويا الجمعية الملكية الزراعية لإنجلترا Royal Agricultural Society of England . ولأن هذا المعرض يحظى برعاية ملكية، فإن افتتاحه سنويا عادة ما يشهد حضور إحدى الشخصيات من العائلة المالكة البريطانية.

dscn28

 مبنى يسمى الجناح الملكي Royal Pavilion وهو طبق الأصل للمبنى القديم الذي سبق أن زارته الملكة فيكتوريا (1816 - 1901م) أثناء تفقدها للمعرض الملكي الزراعي البريطاني (تصوير: ابن بطوطة)

dscn26

إقبال جماهيري كبير على المعرض المقام في أوائل الصيف (تصوير: ابن بطوطة)

dscn26

الخرفان الإنجليزية معروفة بجودة لحمها وصوفها (تصوير: ابن بطوطة)

dscn26

جواميس وأبقار في حظائر داخل المعرض (تصوير: ابن بطوطة)

dscn26

استعراض الجواميس في مسابقة للجَمَال - أين منها مسابقات مزايين الإبل في الجزيرة العربية؟! (تصوير: ابن بطوطة)

 

 

 

 

 

  

يجمع المعرض بين جنباته في أحضان الريف الإنجليزي مختلف الأنشطة الزراعية والريفية، فهناك عروض المحاصيل الزراعية، والثروة الحيوانية من أبقار وخيول وخرفان.. وخنازير. وطبعا لا نستغرب وجود الخنازير لأنها جزء من الثروة الحيوانية في بريطانيا أسوة بكثير من دول العالم غير المسلم. كما يشمل المعرض نشاطات ريفية كالبستنة والعناية بالحدائق وغيرها. ومن النشاطات الشيقة في المعرض عروض الخيل والفروسية، ومعها جنبا إلى جنب عروض الآلات والمعدات الزراعية المتحركة. فالحرّاثات والجرّافات الزراعية تقدم عروضا مصحوبة بالموسيقى في مضمار العرض الرئيسي، وتحظى هذه العروض بشعبية ومتابعة جماهيرية لما فيها من تشويق وإمتاع غير معهود. وكل تلك العروض والنشاطات تقام في أماكن مفتوحة في الهواء الطلق. وتوجد أقسام أخرى داخل صالات عرض كمعرض المنتجات الغذائية والتقنيات الزراعية والبيطرية.

dscn24

الميدان الرئيسي في المعرض - هدوء ما قبل الافتتاح (تصوير: ابن بطوطة)

dscn24

مضمار عروض الخيل قبل افتتاح المعرض (تصوير: ابن بطوطة)

dscn26

عروض الفرسان الصباحية في مضمار الخيل (تصوير: ابن بطوطة)

dscn28

عروض الخيل التي تجر العربات التقليدية لها رونق خاص (تصوير: ابن بطوطة)

dscn28

الخيالة وقفز الحواجز في العرض الختامي نهاية كل يوم حافل (تصوير: ابن بطوطة)

dscn29

عروض الآلات الزراعية الراقصة على أنغام الموسيقى تجذب زوار المعرض (تصوير: ابن بطوطة)

dscn26

المعدات والتقنيات الزراعية الحديثة لها نصيب في المعرض (تصوير: ابن بطوطة)

 

 

 

 

 

 

 

وعلى هذا النحو، فـالمعرض الملكي مهرجان شعبي سنوي، فإلى جانب تلك المعروضات في أقسام المعرض المختلفة، هناك أكشاك بيع الملابس التقليدية وبعض التحف والتذكارات، ومقاهي ومطاعم لبيع الوجبات السريعة لرواد المعرض الذين يتنقلون بين أرجائه منذ التاسعة صباحا حتى الخامسة مساء. وحين تنتهي العروض في هذا الوقت من المساء تستمر المطاعم والمقاهي في تقديم خدماتها حتى الثامنة أو التاسعة مساء حيث يجلس رواد المعرض للسمر وتجاذب أطراف الحديث إما في الهواء الطلق أو داخل أروقة المطاعم والمقاهي المؤقتة الإنشاء.

dscn25

العلم السعودي عند أحد المداخل الجانبية لجناح المملكة العربية السعودية في المعرض (تصوير: ابن بطوطة)

dscn26

التمور والمنتجات الزراعية السعودية الأخرى لاقت استحسان الجمهور (تصوير: ابن بطوطة)

dscn27

مشاركة الدول في المعرض فرصة لعرض فنونها الشعبية (تصوير: ابن بطوطة)

المزيد