
(تصوير: ابن بطوطة)
حسنا، ها قد عدتُ أخيرا!
هذه المرة لم يكن السفر وحده سبب الاحتجاب، ولكنها مشاغل العمل والمشروعات الخاصة، والتي كان لا بد من التضحية بوقت المدونات من أجلها.
رحلتي الأخيرة بدأت بدبي وانتهت بدبي. وكانت الوجهة الأساسية الصين وهونج كونج. شانغهاي كانت محطتي الأولى وكانت زيارة خاصة، ومنها انتقلت إلى العاصمة بكين (أصبحت تُكتب بالإنجليزية بيجينغ Beijing بما يتوافق مع النطق الصيني) حيث بدأت هناك مهمة عملي التي امتدت إلى ينتشوان عاصمة مقاطعة نينغشيا في الشمال الغربي للصين، ثم إلى شيآن عاصمة مقاطعة شانشي وتقع جنوب غرب بيجينغ. ثم كانت هونج كونج المحطة الأخيرة في رحلة العمل الحافلة.
كانت الرحلة في الفترة 22 مايو – 07 يونيو الجاري، وخلال 16 يوما زرت ست مدن، أي بمعدل مدينة كل يومين ونصف. هذا كمعدل، ولكن في واقع الأمر مكثت في إحدى المدن 32 ساعة، وفي مدينة أخرى 22 ساعة امتدت إلى 24 ساعة بعد تأخر إقلاع طائرة المغادرة ساعتين! هذا النوع من السفر المكثف أنا معتاد عليه، ولكن هذه المرة عدد المدن أكثر فكان هناك بعض الضغط، لولا الصحبة الطيبة التي خففت كثيرا من وعثاء السفر، حيث كنا مجموعة من 11 شخصا تناقص في النهاية إلى 6 أشخاص بعد تحول الآخرين إلى وجهات أخرى. ولكن لأسباب تخصني وحدي كانت بداية رحلتي ونهايتها بمفردي.
ومع وعدي لكم في وقت سابق بنشر موضوعات من اختياراتكم التي حددتموها واتفقنا عليها سويا، وأولها ذات صيف في الريف الإنجليزي، إلا أنني أستأذنكم بالبدء بيوميات الرحلة الأخيرة، لا لسبب سوى أنها حاضرة في الذهن وأقرب للبال من اليوميات والذكريات والمواقف القديمة.
معظم هذه اليوميات خواطر سريعة، قليلة التفاصيل، وما يستحق منها التوسع سأعود إليه مستقبلا في موضوعات مستقلة، مثل زيارتي لمقاطعة نينغشيا Ningxia ذات الأغلبية المسلمة من قومية هوي. وهذه بالمناسبة أول رحلة لي إلى إقليم مسلم في الصين رغم تعدد رحلاتي السابقة للصين.
***

من زحام الرياض إلى زحام دبي. استيقظت ذات صباح وأنا في شقة استضافني فيها صديق وإذا بضوضاء الشارع يذّكرني بضوضاء القاهرة حين نزلت في فندق يطل على النيل (تصوير: ابن بطوطة)

كل شيء في دبي يدعو إلى التسوق، حتى درجات سلم صالة المطار أصبحت لوحة إعلانية. رحلة سعيدة! (تصوير: ابن بطوطة)
دبي، 23 - 24 مايو 2008
هذه المدينة على ما فيها من إبهار ونمو يكاد يكون خرافيا، لا يرتاح لها قلبي ولا يتجاوب معها عقلي. وربما السبب في ذلك أنها مدينة مادية جدا، مادية أكثر مما ينبغي، أبراج ومباني شاهقة، ومراكز تسوق عملاقة، وبنى تحتية غير عادية، ولكنها بلا روح ولا عواطف، كل ما فيها مادي.. صحيح أن فيها حركة أعمال ضخمة ومتنامية، ولكن يزعجني أن التسوق فيها إلى حدود الإفلاس، وأن الترفيه إلى حد الإخلال بالقيم واضطراب الحواس. لهذا كانت زيارتي لاجتماع عمل وتلبية دعوة عشاء من صديق. وغير هذا لم تسعدني كثيرا هذه الزيارة، ولم يبهرني هذا السباق اللحوح مع الزمن للتطاول في البنيان. ومع هذا، وللموضوعية فإنني لا أخفي إعجابي بروح التخطيط والتنظيم عند إخواننا أهل الإمارات ومستشاريهم الأجانب.
***

فندق جامعة SISU في شانغهاي وهو على بعد عشر دقائق مشيا على الأقدام من مجمع الجامعة، بينما الفندق الآخر التابع للجامعة يقع داخل محيطها (تصوير: ابن بطوطة)

في الصباح الباكر نزلت من الفندق استكشف الجوار المحيط به، فلفت انتباهي شرطية المرور التي تتعامل بانضباط عال مع المارة وسائقي الدراجات حتى إنها لا تسمح لهم بتجاوز خط المشاة ولو بشبر واحد (تصوير: ابن بطوطة)

رغم مظاهر التطور في شانغهاي إلا أن طريقة نقل النفايات لا تزال بدائية (تصوير: ابن بطوطة)

كتب مستعملة للبيع في حرم الجامعة، ولأنه يوم أحد لم يكن هناك بائع ولا مشتر، ويبدو أن الدار أمان! (تصوير: ابن بطوطة)

كرة القاعدة (البيسبول) رياضة مفضلة لدى شباب الجامعة لقضاء عصر يوم الأحد (تصوير: ابن بطوطة)

حدائق ذات بهجة هي المكان المفضل لطلاب الجامعة وطالباتها للمذاكرة ومراجعة الدروس (تصوير: ابن بطوطة)

المعجنات الصينية Chinese dumplings ويطلق عليها الصينيون baozi جاهزة للبيع مع دخول وقت تناول العشاء الذي غالبا ما يكون قبل غروب الشمس (تصوير: ابن بطوطة)

مطارات الصين رمز للعظمة والتفوق الحضاري وليست مجرد بنى تحتية. واللقطة من صالة المغادرة في مطار شانغهاي الدولي (تصوير: ابن بطوطة)
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
شانغهاي، 25 - 26 مايو 2008
Shanghai درة مدن الصين، تعرفت عليها متأخرا. فمع أن زيارتي الأولى للصين كانت قبل 11 سنة، إلا أنني زرت شانغهاي للمرة الأولى العام الماضي فقط. ومن حسن الحظ زرتها مرتين العام الماضي، ولم تفصل بينهما سوى خمسة أشهر. هذه المرة أزورها طائعا مختارا لمقابلة أصدقاء دون أي التزامات عمل بعكس الزيارات السابقة.
وصلت شانغهاي بعد منتصف الليل، وكان الفندق هادئا جدا مثل المحيط الذي حوله، فهو في أحد الأحياء غير المركزية. تجولت في الصباح الباكر في محيط الفندق، وكانت الحركة خفيفة لكونه يوم أحد وعطلة أسبوعية. توجهت بعد الظهر إلى جامعة شانغهاي للدراسات الدولية SISU لمقابلة أستاذ جامعي صديق، وهو من النوع الذي يعمل حتى في عطلة نهاية الأسبوع. في مكتبه أراني مقالا منشورا في صحيفة صينية مرموقة، ويتناول الدعم السخي والمبادرة السريعة التي قدمتها المملكة العربية السعودية لنجدة الشعب الصيني بمبلغ 50 مليون دولار أمريكي، وبمساعدات عينية بقيمة 10 ملايين أخرى بعد تعرض مقاطعة سيشوان وما جاورها لزلزال مدمر. قال لي إن هذا الدعم الكريم الذي أتى في وقته المناسب أثبت للشعب الصيني بأسره أن السعودية صديق محترم.
في مساء اليوم التالي اقتربت أكثر من ليل شانغهاي النابض حين انتقلت لفندق آخر في الوسط التجاري، لمجرد التغيير بعد أن اخترت الفندق الأول لقربه من الجامعة ولتجنب الزحام الشديد في هذه المدينة العملاقة. لم أحرص خلال هذه الزيارة السريعة لشانغهاي على أي زيارات ميدانية أو جولات سياحية، واكتفيت بما أعرفه عنها حتى الآن. وليقيني بأن أمامي فرصا أخرى لزيارات لاحقة، فقد اكتفيت هذه المرة بلقاء أصدقاء والتحاور معهم حول أحوال المدينة وأهلها.
كان من المخطط أن أغادر شانغهاي إلى بيجينغ من خلال مطار بودونغ Poudong الدولي، ولكونه يبعد عن وسط المدينة بنحو ساعة، فقد فضلت تعديل التذكرة للسفر من مطار هونغ تشياو Hong Chiao الواقع داخل المدينة لأكسب بعض الوقت.
***

الصالة الجديدة بمطار بكين الدولي أنجزت خلال عامين ونصف استعدادا لاستقبال المشاركين في الألعاب الأولمبية وزوار الصين بهذه المناسبة (تصوير: ابن بطوطة)

واجهة المطار كما تبدو للخارج من الصالة الجديدة، والقبة الزجاجية مواقف سيارات (تصوير: ابن بطوطة)

غرفة نوم ديلوكس في فندق ذا ريجنت وتعكس المستوى الذي بلغته صناعة الفندقة في الصين (تصوير: ابن بطوطة)

أحد تقاطعات وسط بكين كما يظهر من نافذة فندق ذا ريجينت في الصباح الباكر، ويلاحظ قلة الدراجات الهوائية في مقابل ازدياد عدد السيارات (تصوير: ابن بطوطة)

موقع سياحي مستوحى أجواؤه من التراث الصيني بانتظار الزوار (تصوير: ابن بطوطة)
.
.
.
.
.
.
.
بيجينغ، 28 – 30 مايو 2008
في كل مرة أزور فيها حاضرة الصين العريقة أحس وألاحظ أنها تريد إضفاء هذه المكانة في نفوس زائريها، فكل شيء يوحي لك بالعظمة والفخامة والإبهار.. المطار، الشوارع الفسيحة، الأبراج العملاقة، الميادين، الفنادق، مراكز التسوق وغيرها. ربما يريد أحدكم أن يذكّرني بما كتبته قبل قليل عن دبي، فأقول إن الوضع مختلف والمقارنة غير واردة، فبيجينغ وريثة إرث حضاري يتجاوز عمره الثلاثة آلاف سنة، وهي اليوم إحدى عواصم العالم الكبرى، وأي قرار يتخذ فيها يمكن أن يهز أحد أركان العالم أو كله، فضلا عن كونها مركز الثقل في نمو الصين الاقتصادي والتنموي. بينما دبي لا يتجاوز تاريخها عشرات السنين، وهي فعلا مثال نادر للنمو والتطور في العالم الثالث، لكنها لا تقاس بقوة عالمية، وهي تكتفي بكونها تمثل حضارة مدنية حديثة. والخلاصة هنا أننا حين نرى أي تطور مادي لا يمكن أن ننزع عنه قالبه الحضاري أو نهمش دلالاته الفكرية.
هبطت طائرتي القادمة من شانغهاي لتحط رحالي في صالة مطار بيجينغ الجديدة، والتي افتتحت منذ شهرين استعدادا لاستضافة المدينة والصين الألعاب الأولمبية. مر كل شيء بسلاسة وإتقان، حتى موظفي وموظفات الجوازات يعملون بمهارة وهدوء، ولا يمكن أن يذكّرك أحدهم بأن هذه البلد منذ عشر سنوات فقط أو أقل كانت ما تزال في عداد الدول المتخلفة في استقبال الزوار الأجانب وتعاملهم مع الآخرين. أما اليوم فالصورة مختلفة تماما، حتى سائقي سيارات الأجرة (التاكسي) خضعوا لدورات في اللغة الإنجليزية استعدادا لاستقبال السياح والزوار القادمين لمتابعة الألعاب الأولمبية. أما الآداب العامة في الشوارع فحدثّ ولا حرج. كانت شوارع الصين، حتى في مدنها الكبرى، من أوسخ مدن العالم وأقلها احتراما للآداب العامة. أما اليوم فلم يعد أحد يبصق في الشوارع، إذ قضت السلطات على هذه العادة الذميمة قضاء تاما وفرضت غرامات لمن يفعل ذلك، وهناك احترام للنظام العام في الشوارع وعند إشارات المرور. كيف تعاملت السلطات مع مثل هذه المواقف مع أن عدد سكان كل مدينة في الصين تفوق سكان دول بأكملها في عالمنا العربي؟ هذه طبعا من منجزات الصين ومعجزاتها.















