يوميات مصورة من دبي والصين وهونج كونج

يونيو 22nd, 2008 كتبها  * ابن بطوطة * نشر في , الإمارات, الصين, مشاهدات, هونج كونج, يوميات

 dscn78

 (تصوير: ابن بطوطة)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حسنا، ها قد عدتُ أخيرا!

 هذه المرة لم يكن السفر وحده سبب الاحتجاب، ولكنها مشاغل العمل والمشروعات الخاصة، والتي كان لا بد من التضحية بوقت المدونات من أجلها.

رحلتي الأخيرة بدأت بدبي وانتهت بدبي. وكانت الوجهة الأساسية الصين وهونج كونج. شانغهاي كانت محطتي الأولى وكانت زيارة خاصة، ومنها انتقلت إلى العاصمة بكين (أصبحت تُكتب بالإنجليزية بيجينغ Beijing بما يتوافق مع النطق الصيني) حيث بدأت هناك مهمة عملي التي امتدت إلى ينتشوان عاصمة مقاطعة نينغشيا في الشمال الغربي للصين، ثم إلى شيآن عاصمة مقاطعة شانشي وتقع جنوب غرب بيجينغ. ثم كانت هونج كونج المحطة الأخيرة في رحلة العمل الحافلة.

كانت الرحلة في الفترة 22 مايو – 07 يونيو الجاري، وخلال 16 يوما زرت ست مدن، أي بمعدل مدينة كل يومين ونصف. هذا كمعدل، ولكن في واقع الأمر مكثت في إحدى المدن 32 ساعة، وفي مدينة أخرى 22 ساعة امتدت إلى 24 ساعة بعد تأخر إقلاع طائرة المغادرة ساعتين! هذا النوع من السفر المكثف أنا معتاد عليه، ولكن هذه المرة عدد المدن أكثر فكان هناك بعض الضغط، لولا الصحبة الطيبة التي خففت كثيرا من وعثاء السفر، حيث كنا مجموعة من 11 شخصا تناقص في النهاية إلى 6 أشخاص بعد تحول الآخرين إلى وجهات أخرى. ولكن لأسباب تخصني وحدي كانت بداية رحلتي ونهايتها بمفردي.

ومع وعدي لكم في وقت سابق بنشر موضوعات من اختياراتكم التي حددتموها واتفقنا عليها سويا، وأولها ذات صيف في الريف الإنجليزي، إلا أنني أستأذنكم بالبدء بيوميات الرحلة الأخيرة، لا لسبب سوى أنها حاضرة في الذهن وأقرب للبال من اليوميات والذكريات والمواقف القديمة.

معظم هذه اليوميات خواطر سريعة، قليلة التفاصيل، وما يستحق منها التوسع سأعود إليه مستقبلا في موضوعات مستقلة، مثل زيارتي لمقاطعة نينغشيا Ningxia ذات الأغلبية المسلمة من قومية هوي. وهذه بالمناسبة أول رحلة لي إلى إقليم مسلم في الصين رغم تعدد رحلاتي السابقة للصين.

***

dscn22

من زحام الرياض إلى زحام دبي. استيقظت ذات صباح وأنا في شقة استضافني فيها صديق وإذا بضوضاء الشارع يذّكرني بضوضاء القاهرة حين نزلت في فندق يطل على النيل (تصوير: ابن بطوطة)

 dscn22

كل شيء في دبي يدعو إلى التسوق، حتى درجات سلم صالة المطار أصبحت لوحة إعلانية. رحلة سعيدة! (تصوير: ابن بطوطة)

 

 

 

 

 

 

دبي، 23 - 24 مايو 2008

هذه المدينة على ما فيها من إبهار ونمو يكاد يكون خرافيا، لا يرتاح لها قلبي ولا يتجاوب معها عقلي. وربما السبب في ذلك أنها مدينة مادية جدا، مادية أكثر مما ينبغي، أبراج ومباني شاهقة، ومراكز تسوق عملاقة، وبنى تحتية غير عادية، ولكنها بلا روح ولا عواطف، كل ما فيها مادي.. صحيح أن فيها حركة أعمال ضخمة ومتنامية، ولكن يزعجني أن التسوق فيها إلى حدود الإفلاس، وأن الترفيه إلى حد الإخلال بالقيم واضطراب الحواس. لهذا كانت زيارتي لاجتماع عمل وتلبية دعوة عشاء من صديق. وغير هذا لم تسعدني كثيرا هذه الزيارة، ولم يبهرني هذا السباق اللحوح مع الزمن للتطاول في البنيان. ومع هذا، وللموضوعية فإنني لا أخفي إعجابي بروح التخطيط والتنظيم عند إخواننا أهل الإمارات ومستشاريهم الأجانب.

***

 240dsc

فندق جامعة SISU في شانغهاي وهو على بعد عشر دقائق مشيا على الأقدام من مجمع الجامعة، بينما الفندق الآخر التابع للجامعة يقع داخل محيطها (تصوير: ابن بطوطة)

dscn77

في الصباح الباكر نزلت من الفندق استكشف الجوار المحيط به، فلفت انتباهي شرطية المرور التي تتعامل بانضباط عال مع المارة وسائقي الدراجات حتى إنها لا تسمح لهم بتجاوز خط المشاة ولو بشبر واحد (تصوير: ابن بطوطة)

 927dsc

رغم مظاهر التطور في شانغهاي إلا أن طريقة نقل النفايات لا تزال بدائية (تصوير: ابن بطوطة)

dscn77

كتب مستعملة للبيع في حرم الجامعة، ولأنه يوم أحد لم يكن هناك بائع ولا مشتر، ويبدو أن الدار أمان! (تصوير: ابن بطوطة)

dscn77

كرة القاعدة (البيسبول) رياضة مفضلة لدى شباب الجامعة لقضاء عصر يوم الأحد (تصوير: ابن بطوطة)

 dscn78

حدائق ذات بهجة هي المكان المفضل لطلاب الجامعة وطالباتها للمذاكرة ومراجعة الدروس (تصوير: ابن بطوطة)

 dscn78

 المعجنات الصينية Chinese dumplings ويطلق عليها الصينيون baozi جاهزة للبيع مع دخول وقت تناول العشاء الذي غالبا ما يكون قبل غروب الشمس (تصوير: ابن بطوطة)

dscn78

مطارات الصين رمز للعظمة والتفوق الحضاري وليست مجرد بنى تحتية. واللقطة من صالة المغادرة في مطار شانغهاي الدولي (تصوير: ابن بطوطة)

 

 .

 .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

شانغهاي، 25 - 26 مايو 2008

Shanghai درة مدن الصين، تعرفت عليها متأخرا. فمع أن زيارتي الأولى للصين كانت قبل 11 سنة، إلا أنني زرت شانغهاي للمرة الأولى العام الماضي فقط. ومن حسن الحظ زرتها مرتين العام الماضي، ولم تفصل بينهما سوى خمسة أشهر. هذه المرة أزورها طائعا مختارا لمقابلة أصدقاء دون أي التزامات عمل بعكس الزيارات السابقة.

وصلت شانغهاي بعد منتصف الليل، وكان الفندق هادئا جدا مثل المحيط الذي حوله، فهو في أحد الأحياء غير المركزية. تجولت في الصباح الباكر في محيط الفندق، وكانت الحركة خفيفة لكونه يوم أحد وعطلة أسبوعية. توجهت بعد الظهر إلى جامعة شانغهاي للدراسات الدولية SISU لمقابلة أستاذ جامعي صديق، وهو من النوع الذي يعمل حتى في عطلة نهاية الأسبوع. في مكتبه أراني مقالا منشورا في صحيفة صينية مرموقة، ويتناول الدعم السخي والمبادرة السريعة التي قدمتها المملكة العربية السعودية لنجدة الشعب الصيني بمبلغ 50 مليون دولار أمريكي، وبمساعدات عينية بقيمة 10 ملايين أخرى بعد تعرض مقاطعة سيشوان وما جاورها لزلزال مدمر. قال لي إن هذا الدعم الكريم الذي أتى في وقته المناسب أثبت للشعب الصيني بأسره أن السعودية صديق محترم.

في مساء اليوم التالي اقتربت أكثر من ليل شانغهاي النابض حين انتقلت لفندق آخر في الوسط التجاري، لمجرد التغيير بعد أن اخترت الفندق الأول لقربه من الجامعة ولتجنب الزحام الشديد في هذه المدينة العملاقة. لم أحرص خلال هذه الزيارة السريعة لشانغهاي على أي زيارات ميدانية أو جولات سياحية، واكتفيت بما أعرفه عنها حتى الآن. وليقيني بأن أمامي فرصا أخرى لزيارات لاحقة، فقد اكتفيت هذه المرة بلقاء أصدقاء والتحاور معهم حول أحوال المدينة وأهلها.

كان من المخطط أن أغادر شانغهاي إلى بيجينغ من خلال مطار بودونغ Poudong الدولي، ولكونه يبعد عن وسط المدينة بنحو ساعة، فقد فضلت تعديل التذكرة للسفر من مطار هونغ تشياو Hong Chiao الواقع داخل المدينة لأكسب بعض الوقت.

***

 dscn79

الصالة الجديدة بمطار بكين الدولي أنجزت خلال عامين ونصف استعدادا لاستقبال المشاركين في الألعاب الأولمبية وزوار الصين بهذه المناسبة (تصوير: ابن بطوطة) 

 dscn79

واجهة المطار كما تبدو للخارج من الصالة الجديدة، والقبة الزجاجية مواقف سيارات (تصوير: ابن بطوطة)

 dscn79

غرفة نوم ديلوكس في فندق ذا ريجنت وتعكس المستوى الذي بلغته صناعة الفندقة في الصين (تصوير: ابن بطوطة)

 dscn80

أحد تقاطعات وسط بكين كما يظهر من نافذة فندق ذا ريجينت في الصباح الباكر، ويلاحظ قلة الدراجات الهوائية في مقابل ازدياد عدد السيارات (تصوير: ابن بطوطة)

 dscn82

 موقع سياحي مستوحى أجواؤه من التراث الصيني بانتظار الزوار (تصوير: ابن بطوطة)

.

.

.

.

.

.

بيجينغ، 28 – 30 مايو 2008

في كل مرة أزور فيها حاضرة الصين العريقة أحس وألاحظ أنها تريد إضفاء هذه المكانة في نفوس زائريها، فكل شيء يوحي لك بالعظمة والفخامة والإبهار.. المطار، الشوارع الفسيحة، الأبراج العملاقة، الميادين، الفنادق، مراكز التسوق وغيرها. ربما يريد أحدكم أن يذكّرني بما كتبته قبل قليل عن دبي، فأقول إن الوضع مختلف والمقارنة غير واردة، فبيجينغ وريثة إرث حضاري يتجاوز عمره الثلاثة آلاف سنة، وهي اليوم إحدى عواصم العالم الكبرى، وأي قرار يتخذ فيها يمكن أن يهز أحد أركان العالم أو كله، فضلا عن كونها مركز الثقل في نمو الصين الاقتصادي والتنموي. بينما دبي لا يتجاوز تاريخها عشرات السنين، وهي فعلا مثال نادر للنمو والتطور في العالم الثالث، لكنها لا تقاس بقوة عالمية، وهي تكتفي بكونها تمثل حضارة مدنية حديثة. والخلاصة هنا أننا حين نرى أي تطور مادي لا يمكن أن ننزع عنه قالبه الحضاري أو نهمش دلالاته الفكرية.

هبطت طائرتي القادمة من شانغهاي لتحط رحالي في صالة مطار بيجينغ الجديدة، والتي افتتحت منذ شهرين استعدادا لاستضافة المدينة والصين الألعاب الأولمبية. مر كل شيء بسلاسة وإتقان، حتى موظفي وموظفات الجوازات يعملون بمهارة وهدوء، ولا يمكن أن يذكّرك أحدهم بأن هذه البلد منذ عشر سنوات فقط أو أقل كانت ما تزال في عداد الدول المتخلفة في استقبال الزوار الأجانب وتعاملهم مع الآخرين. أما اليوم فالصورة مختلفة تماما، حتى سائقي سيارات الأجرة (التاكسي) خضعوا لدورات في اللغة الإنجليزية استعدادا لاستقبال السياح والزوار القادمين لمتابعة الألعاب الأولمبية. أما الآداب العامة في الشوارع فحدثّ ولا حرج. كانت شوارع الصين، حتى في مدنها الكبرى، من أوسخ مدن العالم وأقلها احتراما للآداب العامة. أما اليوم فلم يعد أحد يبصق في الشوارع، إذ قضت السلطات على هذه العادة الذميمة قضاء تاما وفرضت غرامات لمن يفعل ذلك، وهناك احترام للنظام العام في الشوارع وعند إشارات المرور. كيف تعاملت السلطات مع مثل هذه المواقف مع أن عدد سكان كل مدينة في الصين تفوق سكان دول بأكملها في عالمنا العربي؟ هذه طبعا من منجزات الصين ومعجزاتها.

المزيد


انطباعات قديمة عن هونج كونج

نوفمبر 27th, 2007 كتبها  * ابن بطوطة * نشر في , رحلات, هونج كونج, يوميات

 هذا نموذج لناطحات السماء في هونج كونج، وهناك عشرات أخرى أعلى من هذا المبنى (تصوير: ابن بطوطة)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 بعد الرابعة عصرا بقليل..

الطائرة تنتظر الإقلاع، أودع بأنظاري هونج كونج، هذه المدينة العجيبة التي لم أستطع أن أحدد مشاعري تجاهها. كنت لا أحبها قبل أن أراها رأي العين، لازدحامها وكثافتها العمرانية وتطاول مبانيها التي يجعل الإنسان يعيش في غابة من الإسمنت والحديد فـ"تقولب" الكثير من طبيعته وسلوكه وتفكيره، وتؤطر حياته بنمط الحياة المادية القاسية.

لكني حين عشت فيها ساعات، على أيام، اكتشفت لها وجها آخر أخاذا، لسبب بسيط هو اتصالها بالطبيعة.. البحر.

أحب أن أرى هونج كونج من البحر، فالمدينة في الحقيقة شطران: هونج كونج وكولونج، ووجها المدينة (بوصفهما متحدين) حين يشاهدان عبر البحر - من هذه الجهة أو تلك - يكون لهما سحر أخاذ، ويزداد هذا السحر جمالا وألقا في الليل، حيث الأنوار. ويضفي الليل بسحره العجيب عالما يمزج بين ألق الأنوار وغموض الليل وسكونه، وهذا يكسر رتابة منظر  المباني الشاهقة رغم جمالها وجاذبيتها ودلالاتها على قدرة الإنسان وأثر الجهد البشري والمال وكل مقومات الحياة المعاصرة التي تحيي الأرض ومن عليها - بإرادة الله سبحانه وتعالى بالطبع.

29 أبريل 1997

***      ***      ***

هذا ما كتبته عن هونج كونج قبل عشر سنوات ونصف، في نهاية أول زيارة لي إلى هناك. مكثت سويعات في صالة "درجة رجال الأعمال" بمطار هونج كونج - السابق حيث انتقل المطار في مطلع 1998 إلى مكان آخر هو الموقع الحالي للمطار - وأمامي مشهد الطائرات ال

المزيد


شـاهـد مـشـفـش حـاجـة!

سبتمبر 1st, 2007 كتبها  * ابن بطوطة * نشر في , ألمانيا, يوميات

 

مدخل الفندق الذي أقمت فيه في عاصمة ألمانيا السابقة بون

(الصورة منقولة من موقع الفندق)

 

 

 بونBonn  تنام مبكرا. ومع أنها كانت – زمن هذه القصة – عاصمة ألمانيا الاتحادية بعد ضم ألمانيا الشرقية إليها بانتهاء الحرب الباردة وسقوط سور برلين، إلا أنها كانت تنام مبكرا، لسبب رئيسي يسهل استيعابه وهو العادة. وقد يصعب استيعابه لكثيرين منا في مجتمعاتنا التي تعشق السهر وتدمن الأرق حتى باتت مظهرا فاضحا من مظاهر تخلفنا وتردي إنتاجيتنا.

 مدينة تنام مبكرا لأن أسواقها تغلق أبوابها السادسة مساء، وحاناتها وباراتها وهي أماكن السهر المعتادة تودع آخر مرتاديها الحادية عشرة ليلا أو منتصف الليل كحد أقصى. ولأن القوم ينهضون مبكرين بعد أن تكون أجسادهم قد أخذت قسطها الوافر من الراحة حتى تعود في اليوم التالي للعمل، أو حتى للّهو!

هذه المدينة الصغيرة تنام مبكرا، فما بالك بضاحيتها الراقية بادغودسبيرغ Bad Godesberg التي تكثر فيها مقرات سكن السفراء وكبار الدبلوماسيين وبعض السفارات والقنصليات، مع أسواق ومتاجر على جانبي شوارع مترفة الأناقة. 

كنت أسكن في فندق صغير بهذه الضاحية اسمه عدن Eden Hotel، فيه 44 غرفة موزعة على أربعة طوابق. أمام الفندق حديقة كبيرة غناء كاملة الاخضرار، تحيط بها شجيرات الورود إحاطة السوار بالمعصم، يتوسطها ملعب لكرة التنس وناد رياضي ومسرح صغير، مع نبع مياه معدنية يرتوي منه سكان المنطقة والمارة مقابل شلنات زهيدة. والفندق على حافة حي سكني وتجاري مبدع التخطيط، تتخلله ممرات وأزقة للمشاة، على جنباتها مطاعم ومقاهي، متاجر سلع فاخرة، وعدد أقل من متاجر معقولة الأسعار، ومكتبات تجارية وعيادات ومحل نظارات وسواها.

في هذا المحيط الهادئ الراقي لا يمكن أن تتوقع حدوث ما يعكر الصفو أو يشوش المزاج. في بعض ساعات النهار أو الليل قد يبدد سكون المكان لوهلة صوت منبه سيارة شرطة تخترق الشوارع المحيطة وهي في طريقها إلى مكان آخر، أو تشاهد شرطيا وقد أخذ بهدوء بتلابيب أحد السكارى خشية أن يرتكب محظورا أمنيا. هذا أقصى ما يمكن أن يعكر صفو الأمن والأمان في هذه الضاحية الحي الأشبه بمدينة مصغرة. ولهذا فإن أي حادث أمني قد يقع في هذا المكان يحدث بنفس هدوء المكان. فما الذي حدث؟!

ذات ليلة في نهاية أسبوع، زارني في فندقي الصغير صديق أنا حديث عهد بصداقته، هو يحضر الماجستير في إحدى جامعات ألمانيا ويدير في الوقت نفسه أحد أقسام السفارة السعودية في بون، وهو اليوم مدير أحد أهم المراكز الإسلامية في أوربا. جاءني الرجل يحمل معه دلة قهوة عربية صنعتها زوجته على ما يبدو، مع شيء من التمر. أتاني لنتسامر بالحديث في بهو الفندق وهو يعلم أنني مقيم لوحدي. اخترنا للجلوس أحد أركان البهو الصغير الذي لا يتسع سوى لثلاثة أطقم من الأرائك (الكنبايات). كنا لوحدنا معظم وقت المساء. ومن عادة الألمان وزوارهم في نهايات الأسبوع أن يسهروا خارج الفنادق، إما في المطاعم أو البارات أو الملاهي أو الأماكن العامة، لذا كان البهو خاليا إلا مني ورفيقي.

وبينما كنا نتحادث، دخل الفندق نزيلان جديدان، رجل وامرأة، لم يلفتا أنظارنا في البداية. جلست المرأة في مقعد غير بعيد عنا بينما اتجه الرجل إلى موظف الاستقبال لعمل إجراءات المبيت بالفندق. بعد لحظات من جلوسها في مكانها، التفتت إلينا المرأة وهي تسأل بالألمانية: بأي لغة تتحدثان؟ ولأن صاحبي يتقن الألمانية أجابها بأننا نتكلم بالعربية. فتكلمت معه للحظات كلاما عاديا من أجل تزجية الوقت لا أكثر. وبعد أن استلم الرجل مفتاح الغرفة اتجها إليها. ثم ما لبثا أن عادا إلى البهو لطلب الطعام وبعض المشروبات. ولأن الفندق ليس به مطعم ولا يقدم أي نوع من "خدمات الغرف" المتعارف عليها، فهو يكتفي بتقديم الطعام في أضيق الحدود، وليس كخدمة يومية، كحساء ساخن مع بعض البسكوتات وقطع من الجبن، لا أكثر.

كثرة حركة هذين الشخصين بين الردهة المؤدية لغرفتهما والبهو حيث يوجد موظف الاستقبال لفتت أنظارنا أكثر من مرة، ولكننا لم نلق بالا لأن الأمر لا يعنينا. في نهاية الجلسة والساعة قاربت على الحادية عشرة استأذنني صاحبي لإنهاء زيارته، واتجه قبل الخروج من الفندق إلى موظف الاستقبال للسؤال عن إمكانية حجز شقة مفروشة في بناية غير بعي

المزيد


ليلة هانئة في فندق صغير

أغسطس 17th, 2007 كتبها  * ابن بطوطة * نشر في , رحلات, لبنان, يوميات

  مهما كانت إقامتي في فنادق الخمسة نجوم ممتعة ومريحة، فهي لا تعدل عندي ليلة واحدة في فندق صغير بصرف النظر عن عدد نجومه. ومفهوم الفندق الصغير عندي يعني الفندق الذي يشعرك بدفء المنزل وراحة البال وهدوء المحيط مع جودة الخدمة طبعا.

دعيت ذات مرة للمشاركة في مؤتمر في طرابلس بشمال لبنان. كانت تلك زيارتي الأولى لطرابلس، وخيرتني اللجنة المنظمة للمؤتمر بين فندق خمسة نجوم يقام فيه المؤتمر والمعرض المصاحب له داخل مدينة طرابلس (مركز رشيد كرامي للمؤتمرات) وبين فندق صغير (لا أتذكر عدد نجومه) خارج طرابلس ولكنه لا يبعد كثيرا عن مقر المؤتمر. اخترت طبعا الفندق الصغير. لم تتجاوز تجربتي الطرابلسية عن ليلتين، هما مدة المؤتمر، ولكنها تركت في نفسي أثرا جميلا لا يمحى. وكنت في شوق لهذه التجربة الجديدة، إذ لم يسبق لي الإقامة في فندق صغير في العالم العربي. كانت لي تجارب جميلة في تركيا وأوربا، وتحديدا في النمسا وألمانيا وبريطانيا وسويسرا.

كان الوقت مطلع الصيف، والعالم في ذلك الصيف كان مشغولا بكأس العالم 2002. وصلت مطار بيروت عصرا، وطلبت من سائق التاكسي أن يأخذني رأسا إلى طرابلس. في الطريق كانت شرفات المنازل وأسطح البنايات وحتى السيارات ترفرف عليها أعلام الدول العظمى في كرة القدم (البرازيل، الأرجنتين، ألمانيا، إيطاليا..) وخيل إلي أن لبنان من الدول التي وصلت لنهائيات كأس العالم في ذلك العام لشدة حماسة اللبنانيين في متابعة كأس العالم وتشجيع الفرق المتنافسة.

شدني منظر البحر الساحر والسيارة تقطع الطريق الجبلي الجميل. وصلت طرابلس مع غروب الشمس، ولم أهتدِ سريعا للفندق الصغير لأنه غير معروف والسائق من بيروت. وبعد استفسارات ومكالمات سريعة عثرنا على الفندق الذي يبدو من الخارج وكأنه منزل خاص، فا

المزيد


مشاهدات مصورة من الصين (2) التسوق في وانغ فو جينغ

يونيو 28th, 2007 كتبها  * ابن بطوطة * نشر في , الصين, مدن, مشاهدات, يوميات

  

شارع وانغ فو جينغ المخصص للمشاة مكتظ بالمتسوقين والمتسكعين من الصينيين والأجانب المقيمين والسياح (تصوير: ابن بطوطة)

 

 

 

 

 

 

شارع وانغ فو جينغ هو مركز التسوق الرئيسي في العاصمة الصينية بيجين، وهو يضاهي شارع أكسفورد في لندن، مع أنه أقصر طولا وربما أقل جاذبية من الناحية السياحية. كان هذا الشارع تمر به السيارات، ثم تحول إلى شارع للمشاة فقط. وعلى أحد جانبيه من الناحية الشمالية تقع بعض أكبر المباني التجارية في بيجين والتي تحوي محلات تجارية ومطاعم ومراكز ترفيه. كما توجد على جانبي الشارع محلات ومكتبات تجارية ومطاعم وصيدليات. وفي الجزء الجنوبي منه هناك زقاق (شارع فرعي) مخصص للأكلات الشعبية والوجبات السريعة الصينية.

هذا الشارع مزدحم ليلا ونهارا، صيفا وشتاء، لا يُتصور أن يزور زائر بيجين دون أن يرتاده، وأي شخص لا يسأل أو يتساءل عن وجهة التسوق في هذه المدينة إلا ويُدل على شارع وانغ فو جينغ. والأسعار في المحلات الواقعة بهذا الشارع تتفاوت بين الغالي جدا والغالي والمتوسط، ونادرا ما تجد هنا الرخيص. والأسعار الرخيصة متوفرة في بيجين ولكن في أسواق أخرى بعيدة من هنا. وفي المحلات الراقية بهذا الشارع تجد السلع المستوردة والمصنعة في الصين، طبعا المستوردة أغلى وخاصة تلك التي تحمل العلامات التجارية المشهورة (الماركات العالمية)، والبضائع الصينية الصنع تتفاوت أسعارها حسب جودتها وإذا ما كانت تحمل علامة أجنبية أم صينية. وعموما من السهل أن تجد هنا بضائع ذات أسعار معقولة ومضمونة الجودة. وهناك مجمعات تجارية أخرى بعيدة من هذا المكان تجد فيها أفخر السلع بأغلى الأثمان التي تضاهي أسعار باريس ولندن وط

المزيد


في القطار بين فرانكفورت وبون

فبراير 28th, 2007 كتبها  * ابن بطوطة * نشر في , ألمانيا, رحلات, سفر, مدن, يوميات

 

هذه رحلة مع وسائل السفر، أو بعضها في حدود ما جربت، أكتبها على دفعات بدءا بهذا الموضوع، وسيليه موضوع آخر، أو أكثر.

في عالمنا العربي يشيع استخدام السيارات والحافلات والطائرات، لذا سأتجاوزها إلى القطارات وهي الأقل شيوعا في معظم بلداننا العربية، وإن وجدت فمستواها أقل من وسائط النقل الجوي والبري أي السيارات والباصات.

كان تجربتي الأولى مع القطارات في النمسا، وكانت المشكلة الأولى التي تواجهني عند ارتياد المحطات أن جميع اللوحات الإرشادية باللغة الألمانية التي لا أفهمها، فكان يجب عليّ أن أتذكر شكل الكلمات وحروفها – وبعض الكلمات مقاربة للكلمات الإنجليزية – لأهتدي لأسماء المدن والقرى التي أمر عليها أو أتوقف عندها. هذا مع الاستعانة طبعا بسؤال الناس كلما دعت الحاجة، وهذه طريقة لا غنى عنها خاصة في الدول التي لا تعرفها جيدا أو لا تعرفها أصلا.

وفي تجربة أخرى داخل القطار الألماني، كنت متجها من فرانكفورت إلى بون القريبة من كولون، وكانت الرحلة تربو على الساعة على ما أذكر. فور نزولي من الطائرة واستلام الحقائب أخذت القطار من المحطة التي تقع في الطابق تحت الأرضي لمطار فرانكفورت الدولي، كانت الرحلة صباحية، وأخذت مقعدا قريبا من الباب في إحدى العربات وكانت شبه مملوءة. عنّ لي السؤال عن أمر ما فأخذت أسأل "الكمسارية" (عاملة التذاكر) التي تجوب بين الركاب، ولكنها لا تفهم الإنجليزية، وفهمت من كلامها الألماني ما يشبه الاعتذا

المزيد


من نيبال إلى أوكسفورد: حوار مع آن

أبريل 10th, 2006 كتبها  * ابن بطوطة * نشر في , بريطانيا, رحلات, سفر, مدن, مشاهدات, يوميات

محطة الباصات بجوار مطار هيثرو حيث تشير الساعة إلى 07:50 صباحا

 

أثناء رحلتي الأخيرة إلى إنجلترا قابلت في محطة الحافلات بجوار مطار هيثرو القريب من لندن سيدة نحيلة وصغيرة الجسم، هادئة، تبدو في صحة جيدة رغم تقدمها في العمر. كنا بانتظار الحافلة التي ستأخذنا إلى أوكسفورد. قادتها الصدفة إلى حيث أجلس على مقاعد الانتظار في صباح بارد، سألتني إن كان بإمكاني الانتباه لأغراضها ريثما تذهب لشراء صحيفة، رحبت بمساعدتها بكل سرور. لم تغب طويلا حتى عادت بالصحيفة وهي تقول: لم أقرأ صحيفتي المفضلة منذ شهر وكنت حريصة على شرائها قبل صعود الحافلة. وقبل أن أفكر في أي تعليق على كلامها أكملت موضحة لي أنها كانت على سفر وعادت إلى الوطن للتو.. كانت في نيبال. لم يدهشني كثيرا ذكر هذا البلد النائي على قلة الناس الذين يسافرون إليها، فللناس في ما يسافرون مذاهب

ولكن ما لم أتوقعه إن هذه هي رحلتها الخامسة إلى نيبال، وهي تسافر إلى هناك بانتظام منذ تقاعدها. وهل كنت وحيدة في رحلتك؟ سألتها فأجابتني بأن رفيقيها في السفر عادا معها ولكنهم تفرقوا في هذه المحطة بعد وصولهم، كلا إلى حال سبيله

صعدنا إلى الحافلة واستأذنتها في الجلوس بجانبها، لقد

المزيد